سلطان بن محمد القاسمي
في بعض المواقع، لا يبدو الجمود واضحًا من الوهلة الأولى؛ فكل شيء يسير كالمعتاد.. الأعمال تُنجز، والأبواب تُفتح صباحًا وتُغلق مساءً، والوجوه ذاتها تحضر منذ سنوات. لكنَّ شيئًا ما في العمق يبقى عالقًا، كأنَّ الحركة بلا روح، وكأنَّ الجهد يُبذل داخل دائرة مغلقة لا تتسع لخطوة جديدة. المشكلة هنا لا تتعلق بالإخلاص، ولا بنقص النية، بل بغياب التجدد الذي لا يُرى لكنه يُحس.
فالمؤسسات، أيًّا كان مجالها، تشبه الجسد الحي. ما لا يتجدد فيه يذبل، حتى وإن بدا متماسكًا من الخارج. فالخبرة مهمة، والاستقرار ضروري، لكن الاكتفاء بما اعتدناه لسنوات طويلة يجعلنا نعمل بعقل الأمس في واقع لا ينتظر، وكثير من الموظفين بلغوا أقصى ما يمكنهم تقديمه ضمن حدود أدوارهم الحالية، لا لأنهم قصّروا، بل لأن المرحلة التي تشكّلوا فيها لم تعد هي ذاتها المرحلة التي نعيشها اليوم.
المسألة ليست استبدال أشخاص بآخرين، ولا التقليل من قيمة من سبق، بل إعادة التوازن داخل المؤسسة نفسها؛ فوجود الدماء الجديدة لا يلغي الخبرة، بل يوقظها. والعقول الشابة لا تأتي فارغة، بل محمّلة بأسئلة مختلفة، وأدوات جديدة، وطريقة نظر لم تتشكل بعد على وقع الروتين. هي عقول لم تُرهقها عبارة "هكذا تعوّدنا"، ولم تُقيدها فكرة أن هذا هو الحد الأقصى الممكن.
حين ننظر إلى التخصصات اليوم، نكتشف أن كثيرًا منها تغيّر من الداخل دون أن ننتبه. فالتخطيط لم يعد مجرد جداول، والإحصاء لم يعد أرقامًا صامتة، وإدارة المشاريع لم تعُد مُتابعة تقارير فقط. حتى التخصصات التي ظنناها مستقرة، دخلت في عمقها أدوات جديدة، وأساليب عمل مختلفة، وطرق تفكير تتطلب تأهيلًا مختلفًا تمامًا عمّا كان سائدًا قبل سنوات.
والإعلام مثالٌ واضح على ذلك، لكنه ليس استثناءً. هذا المجال لم يعد يُقاس بعدد الأخبار المنشورة، ولا بجودة الصورة وحدها. صار مساحة مركّبة تجمع بين الفكرة، والتصميم، والصوت، والتحليل، والمتابعة اللحظية، وفهم سلوك الجمهور. هناك من درس هذا العالم بتفاصيله الدقيقة، لا كهواية، بل كتخصص كامل: إعلام رقمي، إنتاج مرئي، هندسة صوتية، تصميم بصري، تحليل محتوى، ورصد إعلامي مبني على البيانات لا الانطباع.
تبدأ المشكلة حين نُصرّ على إدارة هذا التعقيد بعقلية قديمة، أو نطلب من موظف واحد أن يغطي مساحات تحتاج إلى فريق متكامل بتخصصات مختلفة. هنا لا يكون التقصير فرديًا، بل مؤسسيًا؛ لأن المؤسسة التي لا تُحدّث أدواتها البشرية، مهما طورت أنظمتها، ستبقى تعمل بنصف طاقتها.
كذلك، الدماء الجديدة لا تأتي فقط لتنفيذ المهام، بل لتغيير الأسئلة نفسها. والموظف المتعطش للعمل لا يسأل: ماذا طُلب مني؟ بل: ماذا يمكن أن أضيف؟ لا يقف عند حدود الوصف الوظيفي، بل يتعامل معه كنقطة بداية. هذا النوع من العقول هو الاستثمار الحقيقي، لأن عائده لا يُقاس فقط بالإنتاج، بل بالتأثير طويل المدى على طريقة العمل وثقافة الفريق.
اللافت أن كثيرًا من المؤسسات التي حققت قفزات نوعية لم تفعل ذلك بكثرة الميزانيات فقط، بل بذكاء التوظيف. اختارت تخصصات دقيقة، وراكمت مهارات متكاملة، وفتحت المجال أمام أفكار لم تكن مألوفة. لم تنتظر أن يتغير الواقع، بل غيّرت أدواتها لتواكبه. وفي المقابل، مؤسسات أخرى ظلت تراوح مكانها لأنها فضّلت الأمان الوظيفي على الحيوية المهنية.
والاستمرار على الحال ذاته رغم وضوح الحاجة للتغيير ليس حيادًا، بل قرارًا ضمنيًا بالتأخر. فحين نعرف أن هناك فجوة، ونراها تتسع، ثم نُبقي الأمور كما هي، فنحن نراكم المشكلة بدل حلّها. لا يمكن لمؤسسة أن تطمح للتقدم وهي تعمل بذات العقول، بذات الأدوات، وبذات المنهج منذ سنوات طويلة، بينما العالم من حولها يغيّر جلده أكثر من مرة.
إنَّ تجديد الدماء ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة بقاء. هو إعادة توزيع للأدوار، وضخ لطاقة جديدة، وخلق مساحات تلاقي بين الخبرة والتخصص الحديث. هو اعتراف صريح بأن لكل مرحلة رجالها ونساؤها، وأن الوفاء للمؤسسة لا يعني تجميدها عند نقطة زمنية معينة.
والمسألة لا تتعلق بالإعلام وحده، ولا بتخصص بعينه. هي سؤال أكبر: هل نريد مؤسسات تؤدي الحد الأدنى، أم مؤسسات تصنع فارقًا؟ الإجابة لا تُكتب في التقارير، بل تُترجم في قرارات التوظيف، وفي الجرأة على إدخال عقول جديدة، وفي الإيمان بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان حين نمنحه المكان الذي يستحقه، قبل أن يختار مكانًا آخر أكثر اتساعًا لحلمه.
