أحمد الشيخ عبدالله الفضالة **
في تاريخ الحروب لحظاتٌ تتحول من وقائع عسكرية عابرة إلى جروحٍ إنسانية لا يطويها الزمن، ويأتي استهداف ملجأ العامرية في بغداد فجر 13 فبراير 1991 في مقدّمة تلك اللحظات التي تجاوزت سياقها الحربي لتصبح شاهدًا دائمًا على مأساة مدنية مكتملة الأركان.
وأستشهد هنا بما ورد في موسوعة ويكيبيديا الموثقة عن الحادث: "ملجأ العامرية هو ملجأ يقع بحي العامرية في بغداد، العراق، قصف أثناء حرب الخليج الثانية. فقد أدت إحدى الغارات الأمريكية يوم 13فبراير، 1991 على بغداد بواسطة طائرتين من نوع إف-17 تحمل قنابل ذكية إلى تدمير الملجأ مما أدى إلى مقتل أكثر من 400 مدنيٍ عراقيٍ من نساء وأطفال. وقد بررت القوات المهاجمة هذا القصف بأنه كان يستهدف مراكز قيادية عراقية لكن أثبتت الأحداث أن تدمير الملجأ كان متعمدًا خاصة وأن الطائرات الأمريكية ظلت تحوم فوقه لمدة يومين. الملجأ يقع بين البيوت السكنية، بجوار مسجد ومدرسة ابتدائية، والملجأ مجهز للتحصن ضد الضربات بالأسلحة غير التقليدية الكيماوية أو الجرثومية، محكم ضد الإشعاع الذري والنووي والتلوث الجوي بالإشعاع".

احتمى سكان الحي في الملجأ، ظنًّا منهم أنه أكثر المواقع أمانًا، لكن صاروخين موجّهين حوّلاه في دقائق إلى مقبرة جماعية، ليسقط نحو 408 مدنيين، بينهم 261 امرأة و52 طفلًا ونحو 95 رجلًا من كبار السن. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد العامرية مجرد اسمٍ جغرافي؛ بل صارت رمزًا لفاجعةٍ إنسانية تتجاوز حدود السياسة والحروب.
الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع نقل عمق الفاجعة. فكل ضحية كانت حياةً كاملة، وعائلةً، وأحلامًا صغيرة توقفت فجأة. ولهذا بقي ملجأ العامرية رمزًا إنسانيًا قبل أن يكون حادثة عسكرية، لأنه كشف هشاشة الإنسان الأعزل أمام منطق القوة حين يفقد العالم بوصلته الأخلاقية.
ما يجعل هذه المأساة أكثر حضورًا بعد 35 عامًا هو أن ملفها ظلّ بلا مساءلة قانونية دولية حاسمة، ولم يصدر اعتذار رسمي واضح يوازي حجم الخسارة الإنسانية. وقد رسّخ ذلك شعورًا لدى كثيرين بأن العدالة في زمن الحروب ليست دائمًا متكافئة، وأن معايير حماية المدنيين كثيرًا ما تتأثر بميزان السياسة لا بميزان الإنسان.
لقد تحوّلت العامرية إلى مثالٍ يُستدعى في نقاشات القانون الدولي الإنساني، خصوصًا فيما يتعلق بحماية المدنيين وحدود القوة العسكرية، ومسؤولية الاعتراف بالخطأ عندما تقع الكوارث.
بعد مرور أكثر من ثلث قرن، لا تزال جدران الملجأ- التي تحوّلت إلى نصبٍ تذكاري- تُذكِّر بأن الحروب لا تُقاس بنتائجها العسكرية فقط، بل بما تتركه من ندوب في الوجدان الإنساني. إن إحياء ذكرى العامرية ليس استدعاءً للألم بقدر ما هو صونٌ للذاكرة، لأن المآسي التي تُنسى غالبًا ما تجد طريقها للتكرار، ولأن الاعتراف بالمعاناة هو الخطوة الأولى نحو عالمٍ أكثر إنسانية.
وعند ما أكتب عن العامرية، أشعر أن الكلمات تمشي على أطراف الذاكرة كي لا توقظ الألم أكثر مما ينبغي. أتخيّل الصمت الذي أعقب الانفجار، ذلك الصمت الثقيل الذي لا يسمعه إلا التاريخ، وأفكر كيف يمكن لمكانٍ كان ملاذًا للحياة أن يتحول في لحظة إلى ذاكرةٍ للغياب.
ربما لا نستطيع إعادة الزمن، ولا تضميد الجرح الذي خلّفته تلك الليلة، لكننا نستطيع أن نحفظ الحكاية حيّة، أن نرويها للأجيال كوصية إنسانية تقول إن الأرواح التي غادرت لم تكن أرقامًا، بل نبض يشبهنا جميعًا. وهكذا تبقى العامرية، في القلب قبل التاريخ، نجمةً حزينة تذكّرنا بأن إنسانية العالم تُقاس بقدرته على التذكّر، وبشجاعته في الاعتراف، وبإصراره على ألا تتكرر المآسي مرة أخرى.
** عضو جمعية الصحفيين البحرينية
