الخارجون من الدين (2)

 

 

أ. د. حيدر أحمد اللواتي **

 

ذكر الباحثان أنَّ هناك أسبابًا أخرى وراء ترك الدين لدى الأمريكان، فقد أجمع الكثيرون ممن شملتهم الدراسة على أنَّ التعاليم الدينية المرتبطة بالقيم الأخلاقية كانت سببًا رئيسيًا لتركهم الدين؛ فالكثيرون من الخارجين من الدين من الأمريكيين يرون في الأديان منظمات تُروج لعدم المساواة الجنسية والعرقية وتحتوي على تعاليم أخلاقية مُثيرة للشك ومقيدة للغاية فيما يتعلق بالسلوك الجنسي وحقوق المرأة، كالحق في العمل وفي الحصول على مناصب دينية كأن تكون قسًا مثلًا.

فقد أشارت الدراسة إلى عدد من الأفكار المرتبطة بالقيم الأخلاقية التي بدأت تغزو المجتمع الأمريكي، وكان لهذه الأفكار المستحدثة أثر في تغيير كثير من القناعات والتي أودت بهم في نهاية الأمر إلى ترك الدين الذي نشأوا عليه. فقد لاحظ الباحثان أن 79% ممن تركوا الدين لا يرون في الشذوذ الجنسي جريمة أخلاقية، و71% من الذين تركوا الدين يرون أنَّ الإجهاض يجب أن يكون مسموحًا قانونيًا لأي سبب كان، كما أن 85% يرفضون أن يعمل الرجل وتبقى المرأة تهتم بشؤون المنزل والأسرة. وعلى الرغم من أن الباحثين يؤكدان أنَّ هذه البيانات لا تستطيع إثبات السببية، إلّا أنهما يؤكدان أن بيانات المقابلات التي قاما بها، تشير بقوة إلى أن عدم التوافق مع القيم التي يدعو لها الدين يعد عاملًا مساهمًا في ترك الدين؛ إذ لاحظ الباحثان أن جميع المشاركين تقريبًا تحدثوا عن موضوع واحد أو أكثر من هذه المواضيع المرتبطة بالقيم الأخلاقية خلال المُقابلات.

وقد توصل الباحثان إلى نتيجة تنبُّئية مفادها مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة، سيكون الأفراد الذين يتأثرون بالأفكار المستحدثة حول بعض القضايا الأخلاقية هم أكثر ميلًا لترك الدين، لأنهم يعيشون نزاعاً بين أفكار مرتبطة بالمنظومة الأخلاقية التي يؤمنون بها ولا يرون أن الدين يدعو لها؛ بل ربما يقف ضدها.

وما رصده الباحثان يشير إلى أمر في غاية الخطورة، وهو أن تغيير الثقافة السائدة المرتبطة بالقيم الأخلاقية في مجتمع ما ربما تكون له آثار وخيمة، وإذا كانت هذه الثقافة مرتبطة بقيم أخلاقية دينية، فهي تودي إلى آثار خطيرة كالخروج من الدين، وأن الإشكالية لا تقتصر على الشبهات العقائدية، بل تلعب المسائل المرتبطة بالقيم والتشريعات الدينية دورًا مُهمًا لا يقل إطلاقًا عن الشبهات العقائدية.

ومن هنا يتضح لنا أهمية دور الإعلام وتأثيره؛ فالإعلام غدا يغير قيمًا أخلاقية سادت في المجتمعات لقرون ويقلب الطاولة على قناعات راسخة آمنت بها تلك المجتمعات. كما أن هذه الدراسات توضح لنا أهمية التركيز في مختلف وسائل الإعلام التي نملكها على زرع القيم الأخلاقية التي نؤمن بها؛ فمواجهة الشذوذ الجنسي ومحاربته، والدعوة للتمسك بالقيم الإسلامية لا يجب أن يُستهان بها، ولا يجب افتراض أن مجتمعاتنا الإسلامية مُحصَّنة عنها. وتشير دراسات أخرى- ربما نوفق للحديث عنها مستقبلًا- أن الرفاه الاقتصادي، يُعد عاملًا مساعدًا وخاصة اليوم في الابتعاد عن الدين؛ إذ إنَّ الرفاه الاقتصادي اليوم يشجع على الفردانية بصورة كبيرة، والتي تسهم في دفع الأجيال الجديدة على التمرد على الأفكار السائدة في المجتمعات ومنها تلك المرتبطة بالدين، ويرى البعض أنَّ هذا ما حصل في المجتمع الأمريكي الذي كان يعد من أكثر المجتمعات الغربية تدينًا حتى عام 2007، بينما تشير الدراسات بأنَّ المجتمع الأمريكي اليوم من أسرع المجتمعات في العالم تغيرًا في توجهاته الدينية وأنه ينحو نحو الخروج من الدين بصورة لافتة للنظر وأحد الأسباب المهمة لهذا التحول هو أن الأجيال الجديدة تعتنق قيمًا أخلاقية مختلفة تمامًا عن أجيال الأمس.

** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

الأكثر قراءة

z