نحيا بنصف قلب

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

في زحمة الأيام وتسارع الوقائع نمضي في الحياة كما لو أننا نسير في طريق بلا لافتات، نخطو كثيرًا، نتحرك أكثر لكننا في العمق لا نعرف على وجه الدقة إلى أين نحن ذاهبون، نمضي لأنَّ علينا أن نمضي، ونستيقظ كل صباح مدفوعين بالعادة أكثر مما نحن مدفوعون باليقين، نعيش أعمارنا بين محطات متشابهة، ننتقل من واجب إلى آخر، ومن التزام إلى التزام، فيما تبقى الأسئلة الكبرى مُعلّقة في الهواء "لماذا نمضي؟ ولماذا نشعر رغم كل هذا السعي، بأننا لا نصل"؟ الهروب صار فعلًا يوميًا في حياة الإنسان المعاصر، نهرب من أشياء لا نعرف لماذا تطاردنا، ولا كيف تشكلت في داخلنا، قد تكون خوفًا قديمًا لم نواجهه، أو ذكرى لم نغلق بابها جيدًا، أو حلمًا أُجهض قبل أن يرى النور، نركض بعيدًا عنها لكنها تركض معنا، تسكن تفاصيلنا الصغيرة، وتظهر فجأة في لحظات الصمت، عندما نظن أننا أخيرًا في مأمن، الهروب هنا ليس حركة جسد، إنه ارتباك روح ومُحاولة يائسة لتأجيل المواجهة.

 

وفي خضم هذا الركض نقوم بكل الأشياء المفروضة علينا نؤدي أدوارنا بإتقان ظاهري فيها، موظف ملتزم وأب مسؤول، أم مضحية، فرد "مثالي" في مجتمع لا يرحم من يخرج عن القالب، نفعل ما يُطلب منَّا وما يُنتظر منَّا، وما اعتدنا فعله كي لا نُلام، ولكن المفارقة المؤلمة أننا وسط كل هذا الانضباط، نؤجل أكثر الأشياء التي نرغبها وبشدة، نؤجل أنفسنا، أحلامنا، شغفنا، وحتى أبسط رغباتنا، بحجة أن الوقت غير مناسب، أو أن الظروف لا تسمح، نحن نتكلم كثيرًا نملأ المجالس والهواتف ووسائل التواصل بالكلمات، لكننا نحبس داخلنا الكلام الذي نود قوله حقًا، نخشى أن يُساء فهمنا أو أن نُجرح، أو أن نخسر من نحب، فنختار الصمت ونتقنه، حتى يتحول إلى عادة، نصبح بارعين في قول كل شيء إلا الحقيقة التي تسكن صدورنا، ومع الوقت يتحول هذا الكلام المحبوس إلى ثقل يضغط على القلب، ويُتعب الروح دون أن ننتبه.

 

نعيش تائهين بين حكايات مضت وأخرى نعيشها، الماضي لا يتركنا وشأننا يطل علينا من حين لآخر، يذكّرنا بما كان يمكن أن يكون وبما خسرناه أو أخطأنا فيه، والحاضر بدوره لا يمنحنا فرصة كافية للفهم أو الالتقاط، فهو سريع، ضاغط، ومليء بالتحديات، نقف بين زمنين لا نستطيع العودة ولا نحسن العيش الكامل في اللحظة، نحن أيضًا مشتتون بين أمنيات نرغب بها وأخرى تاهت منا دون أن ندركها، بعض الأحلام ما زالت حيّة تطرق أبوابنا بإلحاح، وبعضها الآخر ذاب في زحام الأيام، حتى نسينا أننا حلمنا به يومًا، والمؤلم أن الفقد لا يكون دائمًا صاخبًا؛ أحيانًا نفقد أحلامنا بهدوء، دون وداع، ودون أن نلاحظ الغياب إلا بعد فوات الأوان.

 

ومع كل ذلك نصبح معتادين على كل شيء حدث ويحدث معنا فالاعتياد هنا ليس قوة، بل نوع من التخدير، نعتاد الألم والخذلان والتعب، حتى نكفّ عن الاحتجاج، نبتسم ونمضي ونقول "لا بأس"، بينما داخلنا ألف بأس وألف وجع، هذا الاعتياد يجعلنا نقبل ما لا يجب قبوله، ونستمر فيما يرهقنا، فقط لأننا لا نرى بديلًا، نقبل على الحياة دون أنفسنا نشارك في سباقها، ننجز مهامها، ونؤدي أدوارها، لكننا نترك ذواتنا خلفنا، ننسى أن الحياة ليست مجرد التزامات وإنما معنى وشعور وانتماء، وعندما نغيب عن أنفسنا نفقد البوصلة ونشعر مهما حققنا بأن شيئاً ما ناقص دائماً.

 

ورغم كل هذا التعب الذي نحمله في صدورنا يبقى في داخل الإنسان شيء عنيد يرفض الاستسلام الكامل، شيء صغير يشبه الأمل يظهر أحيانًا في ابتسامة عابرة، أو كلمة صادقة، أو لحظة صفاء نادرة، هذا الشيء هو ما يجعلنا نستمر حتى ونحن مرهقون، وحتى ونحن لا نعرف إلى أين نمضي، فالحياة على قسوتها لا تخلو من لحظات تستحق التمسك بها، ومن دروس تصقلنا دون أن نشعر، وبعد كل ذلك نتوجه بنداء صادق إلى الأيام القادمة، "مري علينا بسلام لسنا نبحث عن المعجزات، ولا عن أفراح صاخبة إنما نحن نبحث عن بعض الهدوء، بعض الهدوء، فقلوبنا جدًا متعبة ومرهقة، أرهقتها الحظوظ وأتعبتها تراكمات الأيام، نطلب فقط أن تمنحنا فرصة لالتقاط أنفاسنا، وأن نعيد ترتيب الفوضى داخلنا، وأن نقترب خطوة واحدة من أنفسنا التي ابتعدنا عنها طويلًا، فليس المطلوب أن نكون أقوياء طوال الوقت، ولكن أن نكون صادقين مع ذواتنا وأن نسمح لقلوبنا المتعبة بأن ترتاح ولو قليلًا، قبل أن تواصل المسير.

الأكثر قراءة

z