هل نحن عبيد؟

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

 

«متى استعبدتم النَّاس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟» (عمر بن الخطاب رضي الله عنه).

الحُرية ليست كلمة نتداولها على المنابر، ولا شعور نرصده أحيانًا في حياتنا. الحرية رحلة يومية، نعيشها بين أنفسنا وبين العالم من حولنا، في اختيارنا، في تصرفاتنا، في صمتنا وفي كلماتنا. والسؤال الذي يظل يطرق الباب بصمت: هل نحن عبيد لغير الله؟ هل نحن عبيد لأنفسنا؟ فأول عبودية نتعرّض لها هي عبودية النفس. وكل رغبة، كل شعور، كل أمنية تتحول إلى قيد إذا لم نراقبها.

نركض وراء مُتعة مُؤقتة، نهرب من مواجهة أنفسنا، ننسى أهدافنا الحقيقية تحت ضغط اللحظة. تخيل شخصًا يقضي ساعات في تصفح شيء يُلهيه، بينما حلم صغير يضيع أمام عينيه، أو آخر يستهلك بلا حاجة حقيقية، لكنه يعتقد أنه "يعيش الحياة" أو "يواكب المجتمع". العبودية هنا ليست خارجيّة، بل خيوط رقيقة تربطنا برغباتنا، تجعلنا نعيش بلا وعي، نبرر كل شيء باسم العادة أو الرغبة. والحرية تبدأ حين نعي الرغبة، حين نختار متى نرضى بها ومتى نرفضها، ونصبح نحن من يقودها، لا من يُقاد لها.

وهل نحن كذلك عبيد للشخوص في حياتنا؟ كم مرة أخضعنا اختياراتنا لوجود الآخرين؟ لابتسامتهم؟ لرضاهم؟

شركاء حياة، أقارب، أصدقاء، زملاء، مسؤولين، آخرون… كل هؤلاء يخلقون حدودًا غير مرئية.

لا تجبرنا بالقوة، لكن تجعلنا نخطو بحذر، نخفف من قوة صوتنا الداخلي، نعدل قراراتنا، نعدل اختياراتنا، نُؤجل أحلامنا.

هنا، الحرية ليست تمردًا، بل صدق مع النفس: أن نتصرف وفق قناعاتنا، أن نحتفظ بحريتنا حتى وإن لم يوافقنا الجميع، أن نعيش كل قرار نختاره بشجاعة، بصمت أحيانًا، دون أن يكون الهدف رضا الآخرين.

هل نحن عبيد للمال؟

المال وسيلة، لكنه قد يصبح «سلطة صامتة» نقيس كل شيء وفقه: حياتنا، علاقاتنا، قراراتنا، نرفض ما نحب أو نؤجل أحلامنا لمجرد أن "الميزانية لا تسمح" أو أننا نسعى دون كلل في جمع المال، ونضحي بلحظات صغيرة سعيدة مُقابل أمان مالي مؤقت. حتى العادات الاجتماعية تحول المال لعبودية: التباهي، الادخار المفرط، الانغماس فيما لا ينفع لمجرد قبول المجتمع.

الحرية هنا أن نمتلك علاقتنا بالمال، أن نجعله وسيلة في حياتنا، لا غاية نُستَعبَد لها. أن نجعل قرارنا نحن من يتحكم في كل ريال ننفقه، لا الحاجة أو الخوف.

هل تحوّلت الوظيفة إلى قيد؟

العمل وسيلة، لكنه قد يتحول إلى سجن هادئ. ساعات طويلة، روتين مكرر، صمت خوفًا من الخطأ، قتل للإبداع، تقليد للأسلوب المألوف… كل هذه التفاصيل تصنع قيودًا يومية صغيرة لكنها مؤثرة. الحرية هنا هي أن نجعل العمل وسيلة للنمو، وليس مجرد وسيلة للبقاء أو للاكتفاء. أن نختبر، نجرب، نبتكر، نضيف قيمة، لا مجرد ملء ساعات اليوم.

الوظيفة ليست عبودية إذا أصبح كل يوم فيها فرصة لإظهار ذاتنا، ولتحقيق معنى في حياتنا، لا مجرد أداء واجب ممل

في الوطن… كيف نمارس المواطنة الحقيقية؟

المواطنة ليست فقط مجرد حق لإبداء الرأي كما يعتقد البعض، ولا شعورًا نمتلكه نظريًا، بل أفعال يومية صغيرة تصنع الحرية والمسؤولية في حياتنا. المواطن الحقيقي يحافظ على نظافة الأماكن التي يعيش فيها، ويحترم الممتلكات المشتركة، ويتعامل مع القوانين والأنظمة كخارطة طريق لضمان العدالة وحماية الحقوق. هو من يمد يد العون للآخرين، ويشارك في المبادرات التي تقوي المجتمع، ويشجع المشاريع الصغيرة، ويزرع روح التعاون بين الناس.

المواطنة تعني أيضًا السعي للتعلم المستمر، ونقل المعرفة والخبرة للآخرين، ومراقبة ما حولنا بعين واعية، مع اتخاذ القرارات التي تضيف قيمة لمحيطنا دون انتظار توجيه أو إذن من أحد. كل تصرف صغير، كل مبادرة صادقة، كل خطوة مسؤولة، تصبح جزءًا من ممارسة الحرية الحقيقية، وتمنحنا القدرة على أن نكون فاعلين في وطننا، لا متفرجين. الحرية هنا ليست شعورًا عابرًا، بل فعل يومي يجعلنا أحرارًا حقًا، ويترك أثرًا ملموسًا في حياتنا ومجتمعنا.

العبودية الثقافية: العادات والموروثات

وبعيدًا عن النفس، الشخوص، المال، الوظيفة، والوطن، هناك قيود أعمق وأكثر خفاءً: العادات والموروثات التي نتعلمها منذ الصغر، والتي قد تكون أحيانًا غير مفيدة أو روتينية. نقبلها بصمت، نكررها بلا وعي، ونبررها باسم “العادة” أو “التقاليد”، فتتحول إلى قيود خفية على اختياراتنا اليومية.

هذه العبودية أهدأ من السلاسل، لكنها أعمق أثرًا، لأنها تغلف أفعالنا أحيانًا وتخفف من وعينا بالحرية الحقيقية، دون أن تمس جوهر قيمنا وديننا الحنيف.

الحرية التي نقصدها ليست خروجًا عن قيمنا وأصالتنا، بل وعي حقيقي يسمح لنا بالاختيار بين ما يعيننا وما يقيدنا، بين ما يضيف لحياتنا وبين ما يرهقها، مع الحفاظ على هويتنا ومبادئنا الراسخة.

الوعي بها هو المفتاح: أن نفرق بحذر، وأن نحيا حرية حقيقية، خطوة خطوة، متوازنة مع أصالتنا ومعتقداتنا.

وفي الختام.. الحرية ليست وعدًا بعيدًا، ولا شعورًا عابرًا، بل رحلة يومية تبدأ بالوعي، تستمر بالاختيار، وتتحقق بالممارسة. وكل خطوة صغيرة نحو وعي الذات، كل تصرف مدروس، كل موقف صادق، هو دواء للقيود الخفية، ونافذة تُطلّ بها على الحرية الحقيقية؛ فالإنسان الذي يولد حرًا، ويعي حريته، يمارسها داخل نفسه قبل خارجه، يصنع واقعًا يليق باسمه، ويترك أثره في حياته ومجتمعه.

لذا.. دعونا نعيش كل يوم حرية صادقة، لا مجرد وهم. أن نختار، أن نمارس، أن نشارك، أن نصنع فرقًا صغيرًا في محيطنا، لأن الحرية لا تُقال بالكلمات فقط، بل تُعاش، وتُصنع، وتُورث.

رحلة الحرية تبدأ بصمت عميق مع النفس، ثم تكبر مع الخطوة الصادقة، وتسمو بالفعل المسؤول تجاه الحياة والوطن؛ هي حرية تُبنى يومًا بعد يوم، لا تُعلن، بل تُمارَس؛ ولا تُقاس إلا بالوعي، والعمل، والصدق مع الذات.

الأكثر قراءة

z