د.عبدالله الأشعل **
عُرفت كلمة الإرهاب في اتفاقية قادش عام 1188 قبل الميلاد بين رمسيس الثالث ملك مصر وحاتوسيل الثالث ملك الحيثيين. وتقع في تركيا الأوروبية حاليا.
وتعد هذه المعاهدة أول معاهدة مكتوبة في التاريخ كله القديم والحديث وقد شرحها الفقيه شوارزنبرجر في كتابه الجامع في الثمانينات من القرن الماضي حيث كان الإرهاب هو الفعل الموجه للأسرة الحاكمة فقط (الملك وأسرته). والغريب أنَّ الجامعة العربية تبنت هذا المفهوم القديم باتفاقية مكافحة الإرهاب عام 1953.
وقد وجدتُ كتابًا حديثًا قيِّمًا كتبه بِن ساؤول (Ben Saul) أستاذ كرسي القانون الدولي بجامعة سيدنى بأستراليا. والأستاذ بِن قام بالتدريس بعدة جامعات شهيرة أمريكية وبريطانية وفي أكاديمية لاهاي للقانون الدولي وكذلك الجامعات الهندية والإيطالية والكمبودية وأصدر كتاباً في تعريف الإرهاب عام 2006 وفي عام 2020 أصدر كتاباً بحثياً عن القانون الدولي والإرهاب وله خبرة عملية طويلة ومهام في 35 دولة.
وأصدر في عام 2021 كتابا آخر حول الموضوع تعقب فيه الإرهاب قبل عام 1945 والمفاهيم القانونية للإرهاب بين 1945 و2021 وتعقب الكتاب المجهودات العملية لتعريف الإرهاب وتصنيف الجرائم الدولية واتفاقيات مكافحة الإرهاب الإقليمية بعد أن استحال وضع تعريف للإرهاب كجريمة حرب في الأمم المتحدة. وذكر الأستاذ بن أنَّ المصطلح دخل في الخطاب السياسي في الدول خلال الثورة الفرنسية عام 1798 ميلادية.
وقرر أن الإرهاب رغم أنَّه مستهجن عالميًا إلا أنه استحال أن يوضع تعريف جامع مانع له.
واتفاقية الإرهاب في الأمم المتحدة قدمت من الهند في الجمعية العامة عام 1999، لكن الجمعية العامة فشلت في التوصل إلى تعريف للإرهاب بسبب جوره على حقوق الإنسان.
والإرهاب بصفة عامة هو العنف الموجه ضد الدولة ومؤسساتها أو ضد الأفراد. والإرهاب قد يستخدم من جانب الدولة عدا العمليات العادية للقوات المسلحة الرسمية للدولة في وقت السلم. وصدرت قرارات من مجلس الأمن في تعريف الإرهاب مثل رقم 1566 لسنة 2004.
وكما يوجه الإرهاب ضد المؤسسات يوجه ضد الأفراد بشكل عشوائي ويؤدي إلى الإضرار بالأفراد والمؤسسات. ولكن القانون الدولي يميز بين مرتكبي الجريمة الإرهابية إن كانت الدولة أو كانت كيانات أقل من الدولة كما أن القانون الدولي لم يحدد موقفه إزاء أعمال الإرهاب التي يقوم بها المواطنون في دولة ذات نظام ديكتاتوري.
وكافة المعاهدات التي نظمت الإرهاب تميز بين حركات التَّحرر الوطني والعصابات؛ فحركات التحرر الوطني الساعية إلى انتزاع حق تقرير المصير للشعوب عملها مشروع ولكن قصارى ما وصل إليه القانون الدولي هو تجريم بعض الأفعال مثل خطف الطائرات بسبب تأثيره على حركة الملاحة الدولية المدنية وأن ضحاياها من المدنيين الأبرياء وكذلك جرم القانون الدولي التفجيرات الإرهابية وإطلاق الرصاص على الجماهير بشكل عشوائي كما حدث في الولايات المتحدة وفي هذه الحالة يعلو القانون الأمريكي على القانون الدولي وتختص المحاكم الأمريكية بالفصل في هذه القضايا.
وإذا كان قد استحال وضع اتفاقية شاملة للإرهاب الدولي فإنَّ الإرهاب الداخلي تولته ونظمته التشريعات الوطنية وهدف المعاهدات والتشريعات الوطنية هو عدم الإفلات من العقاب وتحقيق الاستقرار في العلاقات الدولية.
ولكن الدول تنفرد بتعريف الإرهاب وكثيرًا ما استخدم الوصف في المنازعات على السلطة داخل الدول كما أن إسرائيل أكثر الدول حساسية ضد ما يعوق مشروعاتها الاستعمارية؛ فتُسمِّي المُقاومة "إرهابًا" ومنظمات المقاومة "منظمات إرهابية"، بينما يُسمي المجتمع الدولي المقاومة الغصب والاستيلاء مقاومة مشروعة. وثار الجدل حول الاستعمار الفرنسي للجزائر والاستعمار البريطاني للهند ومصر ذلك أن السلطات البريطانية والفرنسية وصفت المقاومة للاحتلال أنه إرهاب. وبالتالي حملت التشريعات الوطنية تعريفات للإرهاب ذاتية.
ويهمنا أن الإرهاب دخل بقوة بعد حادث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة وأصبح العالم الإسلامي والإسلام إرهابًا وتردد مفهوم الإرهاب ووصف الإسلام بالإرهاب لدرجة أنَّه ظهر مصطلح "الإرهاب الإسلامي"، كما أن الولايات المتحدة تضع الدول والمنظمات الإسلامية لمجرد أنها إسلامية كما ظهر مصطلح "الإسلاموفوبيا" أي الخوف المرضي والمغرض من الإسلام، وأصبحت المنظمات الإسلامية توضع على قوائم الإرهاب إذا كانت لا تتوافق مع سياساتها. فمثلاً في إيران تعادى الحكومة الأمريكية الحكومة الإيرانية وتشجع المنظمات التي تصفها الحكومة الإيرانية بالإرهاب مثل منظمة "مجاهدي خلق" وأحيانًا تلوح الولايات المتحدة بوصف الإرهاب لكي ترهب الجماعات التي لا تتفق مع سياساتها. وعلى سبيل المثال فإنها وضعت الحكومة السودانية على قوائم الإرهاب ثم رفعتها وأسقطت ديونها عندما اعترفت بإسرائيل. ولنا في المسرح السوري أمثلة كثيرة. كما أن أمريكا نكاية في تركيا تُؤيد وتمول منظمة إرهابية كردية تحظرها تركيا هي حزب العمال الكردستاني. وعندما خططت الولايات المتحدة لغزو العراق فإنها شَيْطنت صدام حسين وقالت إنه أصبح عدوًا للعالم كله وخطر على العالم كله وأن مهمتها هي الدفاع عن مصالح العالم في العراق عن طريق القضاء على صدام حسين، وعندما هبَّت المقاومة العراقية الباسلة في وجه الاحتلال الأمريكي والبريطاني في سجن أبي غريب وصفتها الدولتان بأنها منظمات إرهابية، وبعض الدول العربية والإسلامية سنَّت تشريعات داخلية تمنع مواطنيها من الانضمام إلى المقاومة العراقية ونشط رجال الدين من فقهاء الحاكم في تبرير هذا القرار دينيًا. وهذه الحقبة ثرية بالأمثلة الدالة على ذلك.
والخلاصة أن تحدي الغرب للإسلام والمسلمين أطلق يد الدول الغربية في أن تصف من تشاء بالإرهاب. واعتراف الطيار الإسرائيلي- الذي أسقط طائرته في يونيو الماضي بأنَّ إسرائيل أفهمته أنَّ الإسلام إرهاب- مثالٌ على ذلك، ولكن اعترف بأنَّ مُعاملة الإيرانيين له كإنسان غيَّرت نظرته تمامًا للإسلام.
وفي هذا الصدد نمُر مرور الكرام على ما جاء في القرآن الكريم من استخدام كلمة الإرهاب بمعنى الردع لقوله تعالي "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ" (الأنفال: 60). والإرهاب هنا هو للردع والجهل المشبوه بالإسلام هو ما أعمى الغرب عن مضمونه.
وفي النهاية.. إن الإرهاب لم يُعرف في القانون الدولي وليس هناك اتفاقية شاملة تعالج الظاهرة الإرهابية. والدافع السياسي والأيديولوجي للغرب لمحاربة الإسلام هو سبب ظهور مصطلح "الإرهاب الإسلامي"؛ فكل مسلم في نظر الغرب "إرهابي" ويصبح هدفًا مشروعًا للتنكيل.
** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا
