خالد بن حمد الرواحي
في حياتنا اليومية، نلاحظ أن كثيرًا من الأشياء لا تنهار دفعة واحدة، بل تتآكل بصمت، خطوةً بعد خطوة… حتى نفاجأ يومًا أنها لم تعُد كما كانت. والمؤسسات لا تختلف كثيرًا عن ذلك؛ فالخلل فيها لا يبدأ غالبًا كأزمة كبيرة تُعلن عن نفسها بصوتٍ عالٍ، بل يتسلل بهدوء من تفاصيل صغيرة تمرّ دون مُلاحظة، أو تُلاحَظ ثم يُتغاضى عنها، أو يُبرَّر استمرارها بحجة الانشغال، أو ضغط العمل، أو أنَّ "الأمور تسير على أي حال".
تأخير بسيط في إنجاز مُعاملة، اجتماع يتأخر بلا اعتذار، رسالة لا يُردّ عليها، قرار يُتخذ على عجل دون توثيق، استثناء صغير من قاعدة واضحة… تفاصيل نمرّ بها كل يوم، تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تترك في داخل المؤسسة رسالة خفية: أن النظام مرن أكثر مما ينبغي، وأن المعايير قابلة للتجاوز، وأن الانضباط خيار لا التزام.
ومع تكرار هذه التفاصيل، لا تعد استثناءً، بل تتحول تدريجيًا إلى "وضع طبيعي". وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ فالخلل حين يُتقبَّل، يتوقف عن كونه خللًا في الوعي الجمعي، ويصبح جزءًا من الثقافة اليومية داخل المؤسسة. لا أحد يعترض، ولا أحد يستغرب، ولا أحد يشعر أن هناك ما يستحق التوقف عنده. فقط يتكيّف الجميع… ولو كان ذلك على حساب الجودة، والعدالة، والثقة.
أخطر ما في هذا المسار أنه لا يُنتج فوضى صاخبة، بل فوضى صامتة: تُبطئ العمل دون أن تُعطِّله، وتُضعف الثقة دون أن تُعلن قطيعة، وتُهدر الجهد دون أن تُسجِّل خسارة واضحة. ومع الوقت، يبدأ الإحساس العام بالإنصاف في التآكل، ويضعف الشعور بالجدوى، ويتسلل إلى ذهن الموظف سؤال غير مُعلن: لماذا ألتزم أنا إذا كان التجاوز هو القاعدة غير المكتوبة؟
وحين تصل المُؤسسة إلى هذه المرحلة، لا يكون الخلل في الإجراءات وحدها، بل في المعنى ذاته: في المسؤولية، وفي العدالة، وفي فكرة العمل العام نفسها. وهنا تتحول المشكلات من كونها تشغيلية قابلة للإصلاح، إلى كونها ثقافية عميقة تحتاج وقتًا أطول، وجهدًا أكبر، لاستعادتها.
لهذا، فإنَّ الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من القرارات الكبرى وحدها، ولا من إعادة الهيكلة، ولا من تغيير الأنظمة فقط، بل يبدأ من إعادة الاعتبار للتفاصيل الصغيرة: احترام الوقت، ووضوح الإجراءات، وعدالة التطبيق، وتوثيق القرار، وجدية المساءلة، والإنصات الحقيقي للملاحظات قبل أن تتحول إلى أزمات.
القائد الناضج لا ينتظر انهيار الجدار ليسأل عن سببه، بل ينتبه إلى الشقوق الصغيرة التي تظهر عليه، ويتعامل معها قبل أن تتسع؛ لأنه يُدرك أنَّ التفاصيل ليست هوامش، بل هي التي تصنع الصورة الكاملة، وأن إصلاح التفاصيل هو في حقيقته إصلاح للثقافة قبل أن يكون إصلاحًا للإدارة.
فما نُهمله اليوم في الهامش… غالبًا ما نستيقظ عليه غدًا في قلب الأزمة.
