د. بدر الشيدي
تقوم نظرية الرجل المجنون أو سياسة الرجل المجنون على إقناع الآخر أو الخصم بأنَّ الرئيس أو القائد غير عقلاني ولا يُمكن التنبؤ بردود أفعاله، مما يخلق رعباً وخوفاً لدى الخصم فيبادر إلى تلبية طلباته والخضوع له.
وقد اتبعت هذه النظرية دولٌ كثيرة وزعماء كثر في مختلف أنحاء العالم. وعُرف بها الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان. وفي الوقت الحالي ليس بشخص أجدر بهذا اللقب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقد وصفته بذلك صحيفة «الجارديان» في تقرير نشرته بتاريخ (15/1/2026) بقولها الجنون هو نهج ترامب في فنزويلا وجرينلاند وإيران، وغيرها من الدول. أما العالم الذي يسعى له ترامب فليس إلا فوضى عالم بلا قوانين ولا شرائع ولا أخلاق، وربما لا إنسانية أيضًا.
وفي الحقيقة لا يختلف عالم ترامب عن (حارة كل من أيدوه إلو)، التشابه والتناغم كبير بينهما. الفوضى والقوة هي المشترك مما يحول عالمنا اليوم إلى نسخة مصغرة ومطورة من تلك الحارة. الحارة التي أبدعها نهاد قلعي، وجسدها في المسلسل السوري ذائع الصيت (صح النوم) الذي أنتج في عام 1972 ظلت حارته صامدة غير قابلة للاندثار أو النسيان، تبقى وتعيش ولا تموت، لأنها ببساطة هي الأقرب إلى واقع الطبيعة البشرية النازعة دومًا إلى الغطرسة والجبروت والتعالي والقتل والتدمير.
المسلسل دون ريب أحد الأعمال الفنية التي لا تزال عالقة في أذهان أجيال كثيرة، ليس بقيمة محتواه الفني ومقالبه فقط، ولكن بالفكرة التي يحملها وهي الأهم والأرسخ. الفكرة التي يحملها المسلسل هي انعدام القانون وسيادة الفوضى والاحتيال ومسؤولون عديمي الإمكانية، وهو بالضبط ما يُميز عالمنا اليوم، لا قوانين ولا شرائع ولا أخلاق ولا مبادئ، ليس إلا الفوضى والقوة، مصداقًا للفيلم المصري "هي فوضى؟!" من إخراج يوسف شاهين.
عندما تسود القوة تتجلى الفوضى. رأينا وتابعنا كما الملايين بحسرة حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل ومن عاونها، وكيف يستخدم التجويع سلاحًا بحق الغزاويين العزل في غزة المحاصرة وطوابير الموت والاصطياد عند مراكز توزيع المساعدات التي حصدت مئات الشهداء المتضورين جوعا. واقع دموي مُؤلم يندى له جبين الإنسانية يحدث أمام نظر وسمع العالم المتحضر والنامي، والأدهى من ذلك هو موقف العرب والمُسلمين، وكيف وقفوا بعضهم يتفرج ومن يشارك ومن يُندد؛ وهكذا دون أي فعل.
فجأة وبدون مقدمات ظهر ذلك المهوس المتغطرس الذي يمثل النظام الدولي بكل تجلياته وعنفه وعنفوانه، يتمخطر وبكل ثقة يعيد تموضع العالم كيفما يريد ليس بالكذب والدجل وحده، بل بمزيد من الغطرسة والوعيد. فتح الجحيم على غزة وفعلها، ووكل ذلك لنتنياهو، وزمرته على مذابح تدمير ممنهج.
كيف استشرف نهاد قلعي تلك الحارة التي صاغها في كوميديا سوداء الظاهر منها الإضحاك والتسلية، لكن الباطن الذي تخفيه رسائل ملغمة هي وظيفة الفن الراقي وما يبدع فيه الفنان. العجيب في الأمر كيف تشابهت شخصيات الحارة وأحداثها مع عالمنا اليوم. فقط لو تأملنا كل هذه التراكمات والمآسي التي تجثم على كوكبنا وما آل إليه وما تشبع به من الجنون واللامعقول حتى التخمة لا بُد أن يتذكر الحارة التي أصبحت عنوانًا اللامعقول، وتوحي بنيتها بانعدام النظام وسيادة الفوضى. في تلك الحارة لا غلبة فيها إلا للقوة والخداع، ومن يملك ذلك تكون له اليد الطولى في التحكم بمجريات الحارة. القوة في الحارة قوتان قوة عبارة عن خداع ومقالب بريئة يمثلها غوار الطوشة، ويمارس فيها تلك الغوايات ليصل في نهاية المطاف إلى مبتغاه ويحقق هدفه، وقوة أخرى تتمثل في البطش والغطرسة، وإن ظهرت على نحو هزلي يمثلها أبو عنتر المبتهج دومًا بنفسه، ولا يدع فرصة إلا واستعرض فيها قوته وفرد عضلاته المفتولة، وقد يخرج سكين أو موس صغير يضعه تحت ملابسه، ويهدد به كل من لا يستجيب له.
تماما كما يفعل العم ترامب يهدد ويتوعد ويزمجر، وإن دعت الضرورة يخرج ما في جعبته من أسراب طائراته المقاتلة وأسلحته الفتاكة لمن لا يستجيب له ولمطالبه. فيأتي من يجثو أمامه يقدم له فروض الولاء والطاعة ويتعدى ذلك، فتغدق عليه الأموال والمعادن والثروات الطبيعية لعله يرضى، كما فعل مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وجبره على تقاسم معه ثروتها، وتلك التمثيلية المنحطة التي نفذها في المكتب البيضاوي. يفرض ضرائبه في كل صوب، ويهدد الصين وروسيا، لا يقيم أي اعتبار لأصدقائه وحلفائه. يهدد أمريكا اللاتينية قارة بأكملها، يغزو فنزويلا، وبحجج واهية يختطف رئيسها أمام أنظار العالم، ويهدد بضم جرينلاند، ويوجَد من لا يتجاوب مع جنونه، والحبل على الجرار. كل شيء في قانونه مباح ومستباح طالما ينشد العظمة والقوة، ليس إلا بعنجهية مقيتة قذرة. في الوقت الذي لا يأخذ منه الحلفاء إلا ما يغدقه عليهم آيات غلاظ من السب والشتيمة والإذلال وضروب من التهكم والاستخفاف.
في المقابل لا يستطيع بدري بيه أبو كلبشة، ويتجسد في القانون الدولي والنظام العالمي بجميع معاهداته ومواثيقه ومنظماته لا يستطيع عمل أي شيء، النظام الدولي الغارق في ضعفه وشيخوخته. ولم تجدِ نفعًا وسائل "أبو كلبشة" صاحب المخفر، وتلك الوسائل التي ابتكرها وتتمثل "الفلقة" والأنف الذي لا يخطئ، لم يستطع أن يفرض القانون في حارة يتحكم فيها "مكر غوار" وبلطجة "أبو عنتر"، وإن قادته حاسة الشم في كل مرة إلى المجرم الذي يبحث عنه، لكنه لا يملك أمام ذلك إلا النظر والصراخ ومزيد من الإدانات والترجي.
النظام الدولي بقده وقديده، بمنظماته وهيئاته ودبلوماسية وقواته المدججة لحفظ السلام ومنظماته الإنسانية والإغاثية، لا تستطيع كلها مجتمعة أن تمنع أي كارثة أو حرب إبادة، وليس لها إلا أن تقف متفرجة تلطم حظها، وتنوح كما تنوح النساء الثكلى. العالم كله يتحكم فيها ثلة فاسدة متغطرسة لا تفهم إلا لغة القوة. الغطرسة الغربية الصهيوأمريكية هم الوحيدون الذين يملكون اليد الطولى يضربون بها خبط عشواء ولا أحد راد لهم.
يا سادة يا كرام.. دول كثيرة تقف تائهة لا تمثل إلا صورة عن ياسين بقوش الشخص البسيط الذي لا حيلة ولا قوة له، لذلك هي أغلب الدول والزعماء لا حيلة لهم ولا قوة أمام ترامب، وشلته الصهيونية الذين لا يتورعون في استخدام القذارة أن دعت الحاجة ليوقعوا الآخرين في شباك إغوائه وتهديداته، فيصبح البقية في حيص بيص وبعضهم تائهين. في الحارة كل يمشي على هواه لا ضابط ولا قانون ولا مبادئ ولا احترام ليس إلا الفوضى، لا سيادة إلا للقوة والجبروت والغطرسة.
ترامب وبلطجيته وثلة المجرمين في الكيان الصهيوني يحكمون ببقية العالم بغطرستهم وجبروتهم يبيدون غزة، ويجوعون أهلها يشنون الحروب في إيران وسوريا واليمين، وقبلها في العراق وليبيا والسودان دون أي رادع، بينما قوانين بدري بيه أبو كلبشة تقف عاجزًا متفرجًا ويمكن متواطئة. عالم كبير شاسع في الأخير ليس إلا نسخة مقيتة من حارة "كل من إيدو إلو". ليس إلا عالم باهت ومهترئ وزائل.
