الراحة التي لا يمنحها النوم!

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

لسنا دائمًا بحاجة إلى نومٍ أطول، بقدر حاجتنا إلى راحةٍ أعمق. فكثيرون ينامون ساعاتٍ كافية، ثم يستيقظون مثقلين، كأن أجسادهم غادرت السرير، وبقيت عقولهم معلّقة في ضجيجٍ لا ينتهي. تعبٌ لا تُفسّره قلة النوم وحدها، ولا يزول بإغلاق العينين. وهنا يبرز السؤال الذي لا يُجامل: هل ما نعيشه من إرهاق جسديٌّ فقط، أم أن له وجوهًا أخرى خفيّة لا نلتفت إليها إلا حين تتراكم؟

في زمن السرعة، اختُزلت الراحة في النوم، واختُزل الإرهاق في قلة الساعات، وكأن الإنسان آلة تُقاس كفاءتها بعدد ما تنطفئ من الأضواء. غير أن الواقع يقول إن المرء قد ينام جيدًا، ثم يواصل استنزافه من جهةٍ أخرى لا تُقاس بالوقت: فكرة لا تهدأ، أو شعور لا يلتئم، أو علاقة تُرهقه بصمت، أو شاشة لا تتركه يعود إلى نفسه. وهكذا يستيقظ الجسد، فيما يبقى الداخل مستنزفًا، يطلب نوعًا آخر من الراحة لا تمنحه الوسادة.

راحةُ العقل لا تتحقق بإغلاق العينين بقدر ما تتحقق بإغلاق دوائر التفكير المتكررة؛ ذلك النوع من التفكير الذي يعيد الأسئلة ذاتها، والسيناريوهات ذاتها، بلا نهاية. هو تعبٌ ذهنيٌّ لا ينام مع الجسد، ولا يهدأ بإطفاء الضوء. وأحيانًا يحتاج العقل إلى أن يتوقف عن الاجترار، لا عن العمل: لحظة صمت، أو تأمل، أو مشيٍ هادئ، يعيد ترتيب الداخل، ويمنح الفكرة فرصة لأن تهدأ دون ضجيج.

وإذا هدأ العقل، أدركنا أن راحة الجسد ليست نومًا فقط، بل إنصاتًا صادقًا. إنصاتًا لإشارات التعب، للشدّ، وللإرهاق المتراكم الذي نتجاهله طويلًا حتى يفرض نفسه. فجسد الإنسان ليس آلة تُدار بالأوامر، ولا يُكافَأ بالصبر وحده، بل كيان يطلب العناية قبل أن يعلن التوقف. وقد تصنع دقائق من الحركة الواعية، أو استراحة في وقتها، فرقًا كبيرًا يسبق الألم ويمنع تفاقمه.

لكن الأكثر خفاءً- وغالبًا الأكثر قسوة- هو تعب المشاعر. ذلك التعب الذي لا يُرى، ولا تُقاس شدّته، لكنه يُثقل الداخل ببطء. حين يحمل الإنسان أكثر مما يحتمل، ويؤجّل الاعتراف بتعبه بدافع الواجب، أو المجاملة، أو الخوف من أن يبدو ضعيفًا، تتراكم الأثقال في الصمت. وهنا تصبح الراحة شجاعة: أن تقول «لا» دون قسوة، وأن تمنح نفسك مساحة دون شعورٍ بالذنب، وأن تتوقف عن الاعتذار لأنك اخترت سلامك الداخلي قبل أن تستنزفك التوقعات.

وتأتي العلاقات بوصفها نقطة تحوّل في معادلة الراحة. فبعضها يُرمّم ما أرهقته الأيام، وبعضها يستنزف دون ضجيج. ليس كل قربٍ صحيًا، ولا كل تواصل ضرورة، ولا كل بُعد خسارة. وأحيانًا تكون الراحة في تقليل الاحتكاك، وفي اختيار العزلة المؤقتة بوصفها عناية بالنفس لا قطيعة مع الناس، وفي القدرة على التمييز بين من يمنحك طمأنينة صادقة، ومن يأخذ منك طاقتك دون أن يشعر- أو دون أن يقصد.

ثم هناك راحة الروح، وهي الأهدأ… والأعمق. راحة لا تُشترى ولا تُقاس، لكنها تُعيد الإنسان إلى مكانه الصحيح حين يتيه. صلاةٌ بخشوع، أو لحظة ذكرٍ صادقة، أو تأمل في خلق الله، قد تُصلح ما لا تُصلحه الكلمات، وتُرمّم الداخل بصمت، وتمنح القلب اتزانًا حين تختل الموازين من حوله.

ولا يمكن تجاهل تعب الحواس في عالمٍ لا يهدأ: شاشاتٌ مضيئة، إشعاراتٌ لا تنقطع، أصوات، وأخبار متلاحقة تقتحم اليوم دون استئذان. وأحيانًا تكون الراحة قرارًا بسيطًا لكنه حاسم: خفض الصوت، إطفاء الشاشة، وترك العين ترى شيئًا طبيعيًا… سماءً تتّسع، أو شجرةً صامتة، أو طريقًا بلا إشارات ولا تنبيهات.

الراحة في حقيقتها ليست ترفًا، ولا علامة ضعف، بل وعيٌ ناضج بأن الإنسان ليس بُعدًا واحدًا، وأن الإرهاق لا يُعالَج دائمًا بالنوم، بل بالفهم. فهمُ ما الذي أتعبنا حقًا، وما الذي استنزفنا بصمت، وأيُّ نوعٍ من الراحة نحتاجه في هذه اللحظة تحديدًا. فحين نفهم تعبنا، نعرف كيف نعتني بأنفسنا… قبل أن يفرض علينا الجسد أو الروح ثمن الإهمال.

ربما لا نحتاج أن ننام أكثر، ربما نحتاج أن نعيش أهدأ!

الأكثر قراءة

z