لا تُخبر التمساح بأنه قبيح قبل عبورك النهر

 

 

 

د. هبة العطار

الحياة لا تُدار دائمًا بلغة الحق المُجرَّد، ولا تسير وفق منطق المثاليات الخالِصة، فبين ما نعرفه صحيحًا، وما ننجو به، مسافة شاسعة اسمها الحكمة، فالحكمة ليست إنكارًا للحقيقة، ولا مساومة على القيم؛ بل فهم دقيق لموضعك من المشهد، ولمكانك داخل ميزان القوة، ولمدى قدرتك على تحمُّل نتائج ما تقول، فليس كل ما يُقال حقًا يُقال الآن، وليس كل صمت ضعفًا، أحيانًا يكون الصمت أعلى درجات الفهم، وأعمق أشكال الوعي.

حين تكون في منتصف النهر، لا تملك رفاهية الخطاب الأخلاقي الكامل، ولا مساحة للبطولة اللفظية، أنت هناك بلا ضفة تحميك، بلا أرض ثابتة، مُحاط باحتمالات الخطر من كل اتجاه، في هذه اللحظة، تتحول الكلمات إلى أفعال، ويتحول الرأي إلى حركة، وكل حركة قد تُحسب عليك، التمساح لا يعنيه وصفك له، ولا يهمه رأيك في شكله أو أخلاقه، ما يهمه فقط أنك داخل مجاله، وأنك تحت رحمته المؤقتة، هنا، يصبح الصمت ليس تراجعًا عن الحق، بل احترامًا لقوانين اللحظة.

المشكلة ليست في قول الحقيقة، بل في الوهم الذي يجعل بعض الناس يعتقدون أن الصدق وحده كافٍ للنجاة. الصدق قيمة، لكنه لا يعمل في فراغ، بل داخل سياق مُعقَّد تحكمه موازين القوة، وحدود الأمان، وطبيعة اللحظة، هناك حقائق تُقال لتُنقذ، وحقائق تُقال لتُهلك، والفرق بينهما ليس في صدقها، بل في وعي قائلها، من لا يفرّق بين الموقف الأخلاقي والموقف الوجودي، قد يخسر حياته وهو يظن أنه ينتصر لقيمه.

كثيرون خسروا أنفسهم لا لأنهم كذبوا، بل لأنهم قالوا الحقيقة في توقيت أعمى، ظنوا أن الصدق قيمة منفصلة عن السياق، وأن الحقيقة تُقال بنفس النبرة في كل الأحوال، فدفعوا ثمنًا باهظًا، الحقيقة حين تُلقى بلا وعي قد تتحول من نور إلى حد قاطع، ومن قيمة إلى استفزاز مجاني للخطر، ليست كل مواجهة شجاعة، وليس كل تصريح قوة، أحيانًا تكون الجرأة الحقيقية في أن تعرف متى تؤجل، ومتى تحتفظ بما تعرفه حتى لا تدفع حياتك ثمنًا له.

ثم إن النضج لا يعني أن تكون صريحًا دائمًا، بل أن تكون مسؤولًا عن نتائج صراحتك، فبعض الصمت ليس تنازلًا، بل ادخار للقوة، وبعض التأجيل ليس خوفًا، بل استعدادًا، العقل الحكيم لا ينفي الحقيقة، لكنه يعرف أن إعلانها فعل، وكل فعل له ثمن، والإنسان الواعي لا يسأل فقط، هل ما أقوله صحيح، بل يسأل أيضًا، هل هذا هو الوقت، وهل أنا في موضع يسمح للكلمة أن تُسمَع دون أن تتحول إلى حكم قاسٍ على صاحبها.

اعبُر النهر أولًا، واصنع لنفسك ضفة آمنة، ثبِّت قدميك خارج دائرة الافتراس، واستَعِد توازنك، فالكلمة حين تُقال وأنت آمن، تكون موقفًا، أما حين تُقال وأنت مُهدد، فقد تكون تهورًا، ليس المطلوب أن تتنازل عن حقيقتك، بل أن تحمي نفسك حتى تستطيع حملها دون أن تُستنزف في لحظة لا تحتملها.

ليس كل صمت خوفًا، وليس كل كلام شجاعة، فبين الصمت والكلام مساحة دقيقة لا يراها إلّا الواعون، اسمها الوعي، الوعي الذي لا يساوم على الحقيقة، لكنه لا يُلقي بنفسه في التهلكة باسمها، الوعي الذي يفهم أن النجاة ليست نقيض القيم، بل شرط لاستمرارها، وأن من يغرق في منتصف النهر لا ينتصر للحق، بل يدفنه معه دون قصد، الحكمة أن تعرف متى تحتفظ بكلمتك، لا خيانة لها، بل حماية لها من أن تُستنزف في لحظة لا تحتملها.

الإنسان لا يُقاس بجرأته على الكلام وحده، بل بقدرته على قراءة اللحظة، وعلى التمييز بين الشجاعة والتهور، وبين الصدق الواعي والصدق الأعمى، هناك أوقات يكون فيها الصمت موقفًا كامل الأركان، وتأجيل الكلمة فعلًا محسوبًا لا ضعفًا، واختيار التوقيت جزءًا من جوهر الأخلاق لا نقيضًا لها، ومن يمتلك هذا الفهم، لا يختزل قيمه في استعراض لفظي، ولا يضيع نفسه في معركة خاسرة، بل يعبُر النهر، ويُثبِّت قدميه، ويحتفظ بصوته، وبحقه في أن يقول حين يصبح القول ممكنًا، ومسموعًا، وغير مدفوع بثمن الفناء.

الأكثر قراءة

z