د. إسماعيل بن صالح الأغبري
في خضم تصاعد الصراعات الإقليمية والدولية، وافتتاحية هذا العام الميلادي 2026 تُنذر ولا تزال بمواجهة عسكرية تديرها الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها إسرائيل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عقب أحداث داخلية في إيران تمثلت في بداية أمرها في مطالب تتعلق بتحسين الوضع الاقتصادي، ووقف التأثيرات السلبية على العملة الإيرانية، ثم تطورت المظاهرات إلى أحداث مقلقة، ورفع شعارات سياسية من بعض المتظاهرين تمس النظام الأساسي للجمهورية الإسلامية.
تعاني إيران عقوبات خانقة اقتصادية من أشد ما فرضته أمريكا على دولة من الدول على مر التاريخ، سواء أكانت من الحزب الديمقراطي أو الجمهوري إلا أنها اشتدت أيام الرئيس الأمريكي الجمهوري دونالد ترامب حتى تكاد سياسته تجاه إيران جعلها صفرًا من المداخيل وصفرًا من بيع النفط وصفرًا من تعامل الدول معها أي تجفيف المنابع، وليس مجرد التقليص أو التخفيف.
ما يقرب من نصف قرن وأمريكا تُصعد ضد إيران سياسيا واقتصاديا ثم تبع ذلك تهديد عسكري تكاد تصل الأمور في سنوات خلت إلى حافة الهاوية حتى كانت الغارات الأمريكية على المفاعلات النووية السلمية الإيرانية، وكانت حرب إسرائيل على إيران بغطاء أمريكي غربي مدة اثني عشر يوما، وقد تواطأ الغرب بأسره مع إسرائيل إما عبر البيانات الداعمة لإسرائيل والمنددة بإيران أو عن طريق التعاون الاستخباراتي بين الغرب وإسرائيل في تحديد المواقع الإيرانية المستهدفة أو تنقلات الشخصيات المراد اغتيالها، على أن الغرب ذاته وقبل حرب الاثني عشر يوما يتناغم مع عقوبات أمريكا، وكأنه في سباق معها من أجل الخنق الاقتصادي حتى توج ذلك السباق بتفعيل آلية الزناد القاضية بمزيد من فرض العقوبات الاقتصادية.
لا أعفي الحكومات الإيرانية المتعاقبة على أنها تتحمل نصيبا من الإشكاليات الاقتصادية والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نفسه صرح بذلك إلا أن الغرب وأمريكا كانا السبب الأكبر في الضائقة الاقتصادية الخانقة والتي تعصف بإيران.
الهدف المعلن للغرب من فرضه هذا الحصار الاقتصادي على الجمهورية الإسلامية هو كبح جماح إيران من العمل على صناعة القنبلة النووية، وإجبار إيران على الدخول في تفاهمات واتفاقيات مع الغرب؟!
الواقع يقول إن إيران دخلت في مفاوضات لسنوات خلت مع أمريكا والغرب حتى تم توقيع الاتفاق النووي بين إيران ودول خمسة زايد واحد، والتزمت به إيران حرفيا إلا أن الغرب وأمريكا لم يلتزما به، فلم تُرفع عن إيران العقوبات نظير توقيعها الاتفاق والالتزام به، بل تم نقض الاتفاق وتمزيقه من الولايات المتحدة الأمريكية، والغرب الضامن لرفع العقوبات لم يكن ضاغطا بما فيه الكفاية على أمريكا لنقضها الاتفاق أو أنه غير راغب في ذلك أو أنه غير قادر بل إنه أخذ يمارس الضغط تلو الضغط على إيران التي لم تنسحب حتى الساعة من الاتفاق النووي، وتلك من مفارقات الغرب وتناقضاته؟!!
الوكالة الدولية للطاقة الذرية تراقب عن طريق أجهزتها المفاعلات النووية الإيرانية وهي المختصة بذلك تقنيا وفنيا أي إنها صاحبة الشأن، والسياسي ليس له أن يسبقها في الإفادة بأي تصريح عن مدى التزام هذه الدولة أو تلك بكون مفاعلاتها سلمية أو غير سلمية إلا أن ما كان يجري خلاف ذلك، فالزعامات الغربية تتنافس في التصريحات حول احتمالية امتلاك إيران السلاح النووي رغم أن الوكالة الدولية ذات الاختصاص التقني والفني لم تصرح بذلك، بل تصدر تقارير منافية لتصريح الزعماء السياسيين ما يجعل السؤال طبيعيا لماذا كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية ما دام الأمر والقرار للسياسيين؟ ولماذا تم تركيب المئات من أجهزة الرصد (الكاميرات) على الأماكن المشتبه بها وهي لم تؤكد ما كان الساسة في الغرب يروجونه؟!
لعل الأسئلة المنطقية ينبغي أن تكون كالآتي: هل الغرب فعلا يشدد الخناق الاقتصادي على إيران من أجل إقناع إيران على الجلوس على طاولة المفاوضات وقد جلست مرارا إلا أنه تم قصفها خلال التفاوض، أو أن الغرب يخشى من امتلاك إيران السلاح النووي فيبتلي بها ابتلاءه بكوريا الشمالية؟! إلا أن ذلك يصعب تصديقه لأن الرقابة على إيران تكاد تضمن أنه حتى طيران الطائر في أجوائها معروفة وجهته.
فما السبب من قيام أمريكا والغرب على إيران وتضامنه مع كل خطوة فيها مزيد من الخنق لها؟
الذي أتصوَّرُه أن الغرب ضاق ذرعًا بأي دولة لا تسير سيره، فهو راغب في وجود نسخ مكررة منه في العالم الإسلامي، تنصاع له سياسة وثقافة وفكرًا أي عولمة كل شيء حسب رؤية الغرب، وما هذه الضغوطات التي يمارسها الغرب ضد هذه الدول من أجل تمكين سياسته ومنظومته الثقافية والفكرية إلا شاهد عيان على هذا المسعى.
الغرب الذي يتشدق بأنه أم للتنوع وحاضن له لا نجده يرحب بهذا التنوع؛ بل يعارض ذلك ومن هنا فهو يفرض قيمه ومُثُلَه بالإكراه على مجتمعات العالم الإسلامي، فيضرب صفحًا عن الأعراف والعادات والتقاليد والقيم السائد في مجتمعاتنا متناسيًا أن البيئة لها دور في هذا التمايز، وكذلك الدين والعادات من أسباب هذا التباين، إلّا أنه يرغب في حمل هذه المجتمعات على الذوبان في قيمه وأعرافه، وليس فقط مجرد التأثر بقيمه وأعرافه أي يريد المسخ، وليس مجرد التأثير والتأثر المتبادل، هو يريد أن يصدر منظومة القيم والأعراف السائدة لديه ولو بالإكراه والتلويح بالعقوبات وخفض التصنيفات خاصة المؤثرة على اقتصادات الدول وتدفق الاستثمارات، وهذه من مفارقات الغرب فهو يلح وبإصرار من أجل فتح أبواب البلدان لتدفق ثقافته وأنماط حياة مجتمعاته بينما يقتر على العالم الإسلامي ويمنعه من جوانب علمية وتقنية وعسكرية كثيرة أي ما يسمح بوصوله إلى دول العالم الإسلامي من التقنيات والمعارف يُقَدِّرُه بقطارة، أما ما يتعلق بقيمه وأخلاقه وما يلامس السلوك فإنه يسمح بغزوه عالمنا كسيل جارف أو شلال متدفق.
الغرب وإن ادعى الحريات والديمقراطيات وحق الدول والشعوب في ممارسة خياراتها، إلّا أنه في الواقع يضيق أيضًا ذرعًا بالدول التي لا تنهج منهجه السياسي تماما كما يضيق بمن لا يسير سيره في مناهجه الاقتصادية، فلو كانت الحريات مطلبه الحقيقي لما كان صديقًا وناصرًا لأنظمة حكم حكمت إيران قبل عام 1979، وكانت موسومة بالشدة ضد كل معارض لها.
ثم إن الغرب داعم أساس لإسرائيل وحام لها حتى ممن يطلب الحرية والاستقلال، بل ويسوي بين الضحية والجلاد، وقد يصنف الفلسطيني الذي تتوق نفسه إلى التحرر بأنه إرهابي؟! علما بأن الفلسطيني في هذه الحالة يطبق مبدأً غربيًا بالإضافة إلى أن شرعة الأمم المتحدة تضمن له حرية استقلال بلاده فالغرب بهذه الصورة خالف ما يرفعه من شعارات وخالف المواثيق الدولية التي يدعو إليها؟!
دول الغرب وقفت صفًا ضد إيران بحجة قمعها المتظاهرين؟ على أن الذاكرة لم تزل لم تنس كيف تعامل رجال الأمن في فرنسا مع المتظاهرين عندما احتجوا على تعديل قانون سن التقاعد، فقد تمثلت الفضاضة في أبشع صورها.
خرج طلاب الكليات والجامعات في أمريكا خروجًا سلميًا، معربين عن رفضهم حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على الفلسطينيين إلّا أنه تمت مواجهتهم وتهديدهم بإنزال الحرس الوطني، وقد كادت أن تتحول ساحات الجامعات إلى ساحات حرب كما تم تهديد الجامعات بقطع التمويل، بل تم اتهام المتظاهرين السلميين بتهم من العيار الثقيل كالقول بأنهم إرهابيون أو معادون للسامية، وتم تهديد مجموعة منهم بالترحيل؟!
للأسف الشديد صار التدخل في شؤون الدول تحت ذرائع الحريات وحق التعبير سبيل من سبل الضغط الغربي على الدول التي لا تلتحق بركابه، كما أن اتهام الأنظمة التي تستقل بذاتها عنه بأنها قمعية وسيلة من وسائل محاولة التركيع، محاولة إسقاط الأنظمة عن طريق الضغوط الاقتصادية أو تشجيع التمرد عليها هو تدخل في شؤون الدول.
التهديد بالقوة العسكرية يتنافى مع ما ترفعه تلك الدول من ضرورة نشر السلم العالمي ووجوب الالتزام بالمواثيق الدولية التي تحرم اللجوء إلى القوة العسكرية؟!! فضلا عن الغزو الفعلي للدول أو استبدال نظام بآخر كما وقع على بعض الأنظمة ذات الشعارات الاشتراكية.
إن المواثيق الدولية باتت تتآكل يوما بعد آخر، وبات التحاكم إلى القوة العسكرية هو القانون، وليس القوانين التي تواطأ عليها العالم عقب الحرب العالمية الثانية.
ما الذي سيبقى للدول الفقيرة العدد والعدة والمساحة؟ وهل ستستطيع الدول تشكيل منظومتها السياسية والثقافية والاقتصادية خارج العباءة الغربية؟ وهل سيسمح الغرب بوجود أنظمة لا تسير في ركابه؟ يبدو أن العالم يسير القهقرى أي نحو شريعة الغاب، ومنهج الفراعنة الأولى الذين كان الواحد منهم يقول ما أُريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.
