◄ المحرزي: وجود مرجعية اقتصادية عُليا يُعزز جهود التنسيق وحسم القرار وتنفيذه بفاعلية
◄ عُمان ماضية بخطى ثابتة نحو بيئة استثمارية أكثر جاذبية ووضوحًا في الخطط الاستراتيجية
◄ دفعة قوية مُرتقبة في القطاعات الاقتصادية الواعدة مع نمو الاستثمارات
◄ تعيين السيد ذي يزن يمثل تطورًا في فلسفة إدارة الاقتصاد الوطني ونقطة تحول حقيقية بمسارات النمو
◄ الخروصي: المنصب يلغي تعددية مراكز صناعة القرار الاقتصادي ويخلق مرجعية قوية ومسؤولة
◄ المفرجي: الاقتصاد العُماني قوي ومنضبط وقادر على الاستجابة للمتغيرات العالمية
الرؤية- سارة العبرية
أكد خبراء اقتصاديون أن تعيين صاحب السُّمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائبًا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ودمج وحدة رؤية "عُمان 2040" في وزارة الاقتصاد، يفتح مسارًا جديدًا في إدارة الاقتصاد الوطني، وينقله من إطار إداري تقليدي إلى قيادة سيادية مُوحَّدة تُحكمها فلسفةً واضحةً في صناعة القرار، تربط الرؤية الاستراتيجية بالتنفيذ العملي للخُطط والبرامج.
وأشار الخبراء- في تصريحات لـ"الرؤية"- إلى أنَّ هذه الخطوة تُكرِّس توجّه الدولة لوضع الاقتصاد في صدارة المرحلة المقبلة، والتي تتطلب سرعة في الحسم، ووضوحًا في الأولويات، ومواءمة مؤسسية تُعالِج تشتت القرار الاقتصادي، وتُعزِّز كفاءة التنفيذ، وترفع ثقة المستثمرين في اقتصادنا الوطني؛ بما يضمن انتقال رؤية "عُمان 2040" من كونها وثيقة توجيهية إلى مسار تنفيذي مُلزِم يُقاس أثره على النمو، والتوظيف، وجودة حياة المُواطن.
وقال الدكتور داود بن سليمان المحرزي الباحث والخبير في الاقتصاد السياسي والتشريعات الاقتصادية، إن هذه الخطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية واضحة، وتبعث برسالة مفادها أن الاقتصاد لم يعد ملفًا موزعًا بين الجهات، وإنما أصبح شأنًا سيادياً يتطلب قيادة عُليا موحدة قادرة على التنسيق والحسم وربط الرؤية بالتنفيذ.

مرحلة انتقالية
وأضاف المحرزي أن تعيين صاحب السمو في هذا المنصب، يأتي في توقيت بالغ الأهمية؛ إذ يمر الاقتصاد العُماني بمرحلة انتقالية دقيقة، تتطلب سرعة في اتخاذ القرار، ودقة في التنسيق، ووضوحًا في الأولويات، لافتًا إلى أن المرحلة المقبلة يقودها الاقتصاد بالدرجة الأولى، وعلى الرغم من التحسُّن الملحوظ في عدد من المؤشرات الكُلية خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في الاستقرار المالي ونمو الناتج المحلي وارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية، إلّا أن هذا التحسُّن لم يُترجَم بالشكل الكافي إلى نموٍ إنتاجيٍّ مُستدامٍ أو فرص عمل نوعية، وهو ما أعاد طرح سؤال جوهري حول كفاءة آلية إدارة الملف الاقتصادي.
وأشار المحرزي إلى أن إدارة الاقتصاد في السلطنة اتسمت- تاريخيًا- بتعدد الجهات وتداخل الصلاحيات، ورغم ما وفره هذا النموذج من تشاركية في عملية صناعة وتنفيذ القرار، إلّا أنه في المقابل أدى عمليًا إلى بُطء القرار، وتراجع فاعلية التنفيذ، وتأخُر حسم بعض الملفات الاقتصادية الحيوية. ويؤكد المحرزي أن منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية يمثل انتقالًا من الإدارة الأفقية إلى القيادة الاقتصادية الموحدة؛ حيث تصبح المسؤولية أوضح، والمساءلة أكثر مباشرة، والقرار أعمق تركيزًا؛ إذ لم يعد الوقت يسمح بالمقاربات البطيئة أو القرارات المُجزَّأة، في ظل اقتصاد عالمي سريع التحول وضغوط تتطلب استجابة أكثر حسمًا ووضوحًا.
وذكر الخبير في الاقتصاد السياسي، أن القيمة المضافة لهذا التحول تكمُن في توحيد السياسات المالية والاستثمارية والتنموية ضمن إطارٍ واحدٍ كحلقة وصلٍ مباشرةٍ بين الرؤية الاستراتيجية العُليا والسياسات التنفيذية اليومية؛ بما يُتيح تسريع اتخاذ القرار في القضايا الاستراتيجية، وتقليل التعارض بين الخطط القطاعية، وتعزيز كفاءة متابعة تنفيذ المشاريع الوطنية الكبرى، خصوصًا في ظل بدء تنفيذ الخطة الخمسية الحادية عشرة؛ باعتبارها ثاني إطار تنفيذي متكامل منبثق عن رؤية "عُمان 2040"، وهي لحظة مفصلية في تاريخ الاقتصاد العُماني، كان الاقتصاد العُماني بحاجة إليها منذ سنوات، وهو ما كان غائبًا نسبيًا في الهياكل السابقة.
وتابع القول: "يكتسب منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية أهمية استثنائية؛ إذ يملأ فجوة طالما عانت منها الإدارة الاقتصادية، والمتمثلة في تشتت مراكز القرار وتعدد الجهات المعنية بالسياسات الاقتصادية دون وجود مرجعية عُليا قادرة على التنسيق والحسم؛ حيث إن وجود قيادة اقتصادية واحدة على هذا المستوى يُتيح مواءمة السياسات المالية والاستثمارية والتشغيلية، ويُسرِّع عملية اتخاذ القرار في القضايا الاقتصادية الحيوية.
وأوضح الدكتور داود المحرزي أن هذا التعيين يحمل بُعدًا مُهمًا في تعزيز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين في متانة الاقتصاد العُماني واستقراره؛ إذ يبعث برسالة واضحة بأن السلطنة ماضية بخطى ثابتة نحو بيئة استثمارية أكثر جاذبية من خلال تحسين بيئة الأعمال، وتسريع الإجراءات، وتعزيز الحوكمة والشفافية والتخطيط طويل المدى؛ فالمستثمر- سواء المحلي أو الأجنبي- يبحث قبل كل شيء عن وضوح الرؤية، واستقرار السياسات، وسرعة اتخاذ القرار، وهي عناصر لا يُمكن ترسيخها دون قيادة اقتصادية عُليا تمتلك الصلاحية والرؤية في آنٍ واحدٍ، مشيرًا إلى أن من المرجح أن يشهد الاستثمار في القطاعات الواعدة مثل السياحة، والصناعات التحويلية، والاقتصاد الأخضر، والاقتصاد الرقمي دفعةً قويةً خلال المرحلة المُقبلة.
وفي الجانب الاجتماعي، قال المحرزي إنه لا يمكن فصل الاقتصاد عن معيشة المواطن؛ فنجاح أي سياسة اقتصادية تُقاس بمدى انعكاسها على مستوى المعيشة وتوفير فرص عمل مُجدية، خصوصًا للشباب، لافتًا إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من نموٍ يعتمد على الدورات النفطية والظروف المؤقتة إلى نمو قائم على الإنتاجية، والمهارة، والقيمة المضافة. وأضاف أن المرحلة المُقبلة لا تخلو من تحديات حقيقية، وفي مقدمتها تقلبات الاقتصاد العالمي، وضغوط الإصلاح المالي، ومتطلبات التوازن بين الانضباط المالي والحفاظ على الزخم الاقتصادي.
ويرى المحرزي أن القيمة الحقيقية لهذا التغيير تكمُن في الانتقال من مرحلة التخطيط المُكثَّف إلى مرحلة التنفيذ الصارم القائم على مؤشرات أداء قابلة للقياس، وأن النجاح سيُقاس بمدى الجرأة في التعامل مع ملفات شائكة، مثل إصلاح سوق العمل، وتمكين القطاع الخاص دون تحميله أعباءً بيروقراطية إضافية.
وأوضح المحرزي أن "تعيين صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائبًا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية يمثل فرصة ذهبية لتحويل الرؤية الاقتصادية إلى واقع يرتكز على مؤشرات أداء حقيقية، ويعكس أيضًا تحولًا في فلسفة إدارة الاقتصاد الوطني، ويشكل نقطة تحول حقيقية في مسار النمو الاقتصادي العُماني.
قيادة اقتصادية مركزية
وقال الدكتور سلطان بن خميس الخروصي باحث في التربية والمواطنة وشؤون المجتمع إن هذا المنصب يُشكِّل تحولًا عميقًا في عملية إدارة الملف الاقتصادي في البلاد وليس ترتيبًا إداريًا وحسب؛ فالمتوقع خلق قيادة اقتصادية مركزية مسؤولة بدلًا من الإدارة التشاركية قبل هذا المنصب بين مختلف المؤسسات، ونفض غبار اجتماعات وقرارات اللجان المتشعبة التي طالما كانت حجر عثرة أمام الكثير من المشاريع الاقتصادية الوطنية، لافتًا إلى أن هذا المنصب سيعمل على إعادة قواعد الأولويات الاقتصادية، والانتقال من الإدارة المتشعبة إلى القيادة الموحدة بمساراتٍ واضحة، والتحول من الخطط التفصيلية المجزَّأة إلى التخطيط المتوافق مع مؤشرات التنفيذ الحقيقي لا سيما مع رؤية "عُمان 2040". وأوضح أن المراقب للوضع الاقتصادي سابقًا يشعر بوجود فجوة حقيقية بين رؤية "عُمان 2040" ومؤشرات التنفيذ، مؤكدًا أن هذا المنصب سيعمل على ربط الرؤية النظرية مع مؤشرات التنفيذ مباشرةً، مما يرسم صورة واقعية لصنّاع القرار ويجعلها من رؤية توجيهية توضيحية إلى مسار إلزامي.

وبيّن الخروصي أنَّ الأهمية الفعليّة لهذا المنصب تنبع من دوره المتوقع في صياغة وتوجيه القرار الاقتصادي وفق فلسفة مدروسة وعقيدة مؤسسية قائمة على الكفاءة والمسؤولية؛ فدوره مهم في إلغاء تعددية مراكز صناعة القرار الاقتصادي وخلق مرجعية قوية ومسؤولة تسهم في تحقيق المصلحة الوطنية ورخاء المواطنين، وتستطيع حسم القرارات حينما تتعارض مع سياسات تعدد المؤسسات دون تأخير أو تعطيل، وبناء منظومة متكاملة تُغيِّر من التنسيق الاقتصادي الشكلي والنمطي إلى الإنجاز الفعلي السلس والمرن. وأوضح أن كثيرًا من القرارات الاقتصادية كانت تُدفع إلى لجان وفرق عمل دون صلاحيات إلزامية، وكثير منها يحاول الحفاظ على مصالحها القطاعية، لكن مع هذا المنصب الجديد يتحول التنسيق من السياق التطوعي إلى الإلزامي، علاوة على دوره المهم في توحيد الخطاب الاقتصادي داخل مختلف مؤسسات الدولة، كما إنها رسالة واضحة للمستثمرين والمنظمات والمؤسسات الدولية في الخارج؛ مما يُعزِّز قيمة الثقة وتحسين صورة الاستقرار الاقتصادي والاستثماري السيادي للبلاد.
وأكد الخروصي أن هذه الخُطوة تُعد مُؤشرًا قويًا يُجسِّد الفلسفة الاقتصادية الواثقة والمسؤولة التي تنتهجها قيادة حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظم- أعزّه الله. وقال إن هذا المنصب سيعمل على تحويل الخطط إلى قرارات تنفيذية ومتابعتها ووضع جدول زمني لتنفيذها، والعمل على ربط كل خطة بأحد مستهدفات رؤية "عُمان 2040" والانتقال من سياسة عمل اللجان والفرق المؤقتة والتي كان غالبًا دورها استشاري، إلى إنشاء مركز قيادي اقتصادي موحد يملك الصلاحيات الكاملة لاتخاذ القرارات الأفقية المُلزمة لكل مؤسسات الدولة، والمُمكِّنة في المتابعات القصيرة وطويلة الأمد باستمرار، مع قياس القرارات وفق الأثر الاقتصادي دون الاعتماد على الجانب النظري وحسب.
ولفت الخروصي إلى أنَّ هذا المنصب يعكس تحولًا مُؤسسيًا؛ فهو يعمل على نقل مخرجات رؤية "عُمان 2040" من إطار استراتيجي طويل الأمد إلى برنامج تنفيذ مُكثَّف عبر نافذة الخطة الخمسية الحادية عشرة، لتكون مميزة وناضجة وواضحة بصورة أكبر عن سابقاتها من الخطط.
من جهته، قال يوسف بن راشد المفرجي مدرب وخبير في الوعي والثقافة المالية إن سلطنة عُمان تحولت بهذا المنصب إلى القيادة الاقتصادية المتكاملة؛ فالسلطنة تمر بمرحلة مفصلية في مسيرتها الاقتصادية والتي تتطلب أدوات قيادية مختلفة أكثر تكاملًا وأسرع في اتخاذ القرار، وأكثر قدرة على تحويل الرؤى إلى نتائج ملموسة. وبيّن المفرجي أن هذا المنصب يؤكد أن الدولة اختارت أن تقود المرحلة المقبلة من خلال اقتصاد قوي ومنضبط، وقادر على الاستجابة للتحديات والمتغيرات العالمية، ويعزز من خلال قيادة اقتصادية عُليا تضمن استمرارية الاستقرار المالي، ورفع كفاءة السياسات الاقتصادية، وكذلك تعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية".

مواءمة مؤسسية
ومن جهة ثانية، يؤكد الخبراء أن دمج وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان 2040 في وزارة الاقتصاد، من شأنها أن تعز المواءمة المؤسسية في الملف الاقتصادي، وتعزز التكامل بين جوانب التخطيط والسياسات التنفيذية.
وفي هذا الإطار، يقول الدكتور داود المحرزي إن دمج وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان 2040 يضع لبنة مركزية في البناء المؤسسي الحكومي، وذلك من خلال نقل الرؤية من كونها وثيقة استشرافية بعيدة المدى إلى أداة توجيه يومية للقرار الاقتصادي. وأضاف أن هذا الدمج يُعزز التكامل بين التخطيط الاستراتيجي والسياسات التنفيذية، ويضمن حضور الرؤية في إعداد وتحديد الأولويات الاستثمارية، وصياغة السياسات القطاعية، وهو شرط أساسي لتحويل الرؤية إلى نتائج ملموسة. وأوضح المحرزي أنه رغم التقدم المحقق في نمو الأنشطة غير النفطية، إلا أن مساهمتها النوعية في القيمة المضافة والتوظيف لا تزال دون الطموح، وهنا تبرز أهمية توجيه السياسات نحو القطاعات القادرة على رفع الإنتاجية وتعزيز الصادرات، مثل الصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والاقتصاد الرقمي، والاقتصاد الأخضر.
فيما أكد الدكتور سلطان الخروصي أن هذا الدمج يُشكِّل تحولًا مُهمًا في نقل مسار الرؤية من مشروع تخطيط مستقل قائم على وحدة المتابعة والتقييم وتقديم التقارير الدورية دون أن تكون هناك أدوات إلزامية للقرار الاقتصادي إلى رؤية مرجعية في صنع القرار، علاوة على كونه معيارًا مهمًا لاعتماد السياسيات الاقتصادية والقدرة الفعلية لها للتركيز على المشاريع القابلة للتنفيذ، فضلًا عن سد الفجوة بين التخطيط والتنفيذ، وبناء أرضية خصبة لتعزيز وحدة القرار الاقتصادي الوطني، ورفع مستوى المسائلة الحكومية بحيث لا يكمن التركيز في إنجاز المشروع؛ بل في الأثر العائد من هذا المشروع.
ويرى يوسف المفرجي أنَّ قرار الدمج جوهريٌ، وأن الجمع بين القيادة الاقتصادية العليا ووزارة الاقتصاد ووحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان 2040، يخلق منظومة متكاملة قادرة على تحقيق الأهداف بسلاسة، وسرعة، وثبات. وقال إن هذه التكاملية هي ما تحتاجه الدول التي تسعى لتحقيق نتائج مستدامة لا مجرد مبادرات مُتفرقة، مضيفًا أنَّ هذا الهيكل الجديد يُسهم في تسريع تنفيذ الخطط الخمسية، ويُعزز كفاءة برامج التنويع الاقتصادي.
