عائض الأحمد
نكبُر أحيانًا ونحن نخلط بين الصوت والقيمة، وبين الظهور والجوهر، فنقيس ذواتنا بما يُقال عنَّا لا بما نملكه فعلًا. نعتقد، في لحظات ضعف أو استعجال، أن كثرة الإشارات تعني صحة الطريق، وأن ارتفاع الأصوات دليل على صدق الاتجاه، بينما الحقيقة أبسط وأقسى: ليس كل ما يُسمَع حقيقيًا، وليس كل ما يلمع جديرًا بالاتباع.
حين نجعل الآخرين مقياسًا لأهدافنا، نُسلّم بوصلتنا لأيدٍ لا تعرف وجهتنا. لذلك لا ينبغي أن يكونوا مؤشرًا لما نُريد، بل مجرد مشهد يثير السؤال: من هؤلاء؟ ولماذا نمنحهم سلطة الحكم؟ فالبطل الحقيقي لا يُعرّفه تصفيق العابرين، لأن التصفيق بطبيعته مؤقت ومتقلّب، ولا تهزمه همسات المشكّكين، لأن الشك غالبًا صوت من لم يجرّب السير أصلًا. هو من يعرف طريقه حتى وهو وحيد، ويمضي بثبات لأن يقينه أعلى من صراخهم مجتمعين.
في مرحلة ما، يتوقف الإنسان عن انتظار قدوم أحد أو رحيله، لا من باب القسوة، بل من باب الاتزان. حينها تسقط الآراء من عليائها، وتفقد سلطتها المعنوية والأدبية، خاصة تلك التي تُقال من موقع التعالي، كأن أصحابها مساطر أخلاق، وحملة لواء التفرد، يوزّعون الأحكام ويخفون تناقضاتهم خلف خطاب منمّق. بعضهم يملك قلبين في جوف واحد، لا حبًا في الاتساع، بل هربًا من مواجهة ذاته، فيثقل جسده بازدواجية لا تحميه من الألسنة، بل تفضحه أمام نفسه أولًا.
التجربة تعلّمنا أن المسافة الآمنة ليست بُعدًا عن الناس، بل قربٌ محسوب نعرف فيه من نكون، ومتى نقترب، ومتى نصمت. فالصمت، في كثير من الأحيان، أبلغ من ألف تبرير، والوقوف وحيدًا أصدق من السير في قطيع لا يسأل إلى أين يُساق. الاتزان لا يحتاج شهودًا، ولا يُساوَم عليه، ومن عرف قدره مضى في طريقه دون أن يلتفت كثيرًا للخلف.
نعود أحيانًا إلى ذاكرتنا فنكتشف أننا، في وقتٍ ما، تملّقنا أشخاصًا لا لشيء سوى لنظفر منهم بشيء نعلنه، أو رأي نتباهى به، أو كلمة نُقنع بها أنفسنا أننا على الطريق الصحيح. ثم نكتشف متأخرين أننا كنا نسير في حقول لم نختر زرعها، لا تُسرّ الناظر، ولا تُسرّع المسير، بل تعيدنا إلى لحظات صنعنا فيها قدسية زائفة لأشخاص لم يطلبوها، لكننا منحناها لهم من فراغنا.
وتأتي لحظات الضعف كاختبار أخير للحقيقة. على فراش المرض، حين تتعرّى الأقنعة، قبّلتِ رأسي مودِّعة، وتركتِني على وعد لقاءٍ لا أعرف صدقه. لم يرجف لك جفن، ولم يثقلك حمل الغياب. ثم انقلبتِ أنتِ على ذاتك، واستدعيتِ كل مبرّرات الأنا لتبرّري فعلتكِ وترحلي، دون أن تتركي أثرًا، وأنتِ تقفين كعقارب الساعة، تحسبين الزمن، دون أن تشعري أنكِ لا تتقدّمين.
في تلك اللحظة تحديدًا، يتضح الفرق بين الخسارة والاستعادة. لم أخسر رحيلك، بل استعدت نفسي من ظلك، وتعلّمت أن بعض السقوط ليس هزيمة، بل كشف متأخر لما كان يجب أن يُرى منذ البداية. هو وعي لا يُخدع بالمظاهر، نجا من وهم، وخضع لنقد قاسٍ، لكنه عادل، لأن من كسر صنمه بيده، لا يعود ساجدًا لغير الحقيقة.
لها: اطلبي ما تشائين من الأوراق، فلن يعلُق إلّا ما تبقى في ذاكرتي.
شيء من ذاته: صمتي ليس ضعفًا؛ بل تجاهل لوقاحتك، حين سألتك من أنتِ حقًا.
نقد: "يحسبون كل صيحةٍ عليهم".
