الحرب الخامسة!

 

 

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

 

تتجه أنظار العالم قاطبة كل ساعة إلى البيت الأبيض وبالتحديد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يبدو لي أنَّ صبره قد نفد ولن ينتظر طويلًا للحصول على جائزة نوبل للسلام في نهاية هذا العام؛ فنزعة الصقور في واشنطن ورغبتهم الأكيدة في إشعال الحروب والسيطرة على الآخرين من الأعداء المُفترضين، خاصة عندما يكون هناك مخزون نفطي ومعادن نفيسة يسيل لها اللعاب، أو حتى موقع استراتيجي يُمكِّن هذه الإمبراطورية الكبرى- التي أعلنت الحرب على الجميع بما فيهم الحلفاء المقربون الأوروبيون- من السيطرة والتحكم في العالم.

استهداف إيران أصبح أقرب للواقع من أي وقت مضى، وربما الانتظار هو مُجرد وسيلة لتمكين الطابور الخامس من جواسيس الموساد الذين يعملون على الأراضي الإيرانية من الداخل ومنحهم مزيدًا من الوقت لنشر الفوضى ورصد المواقع الاستراتيجية في مختلف القواعد العسكرية على طريقة "حرب الأيام الاثني عشر"، قبل بضعة أشهر؛ حيث تم القضاء على الصف الأول من القادة العسكريين في الجيش والحرس الثوري الإيراني في الساعات الأولى من المعركة، والأخير يُعتبر صمام الأمان للنظام.

لا شك أنَّ هناك ظروفًا معيشية صعبة يُعاني منها الشعب الإيراني منذ عقود بسبب العقوبات الجائرة التي يَنظر إليها أعداء إيران على أنها الطريق السهل للانهيار من الداخل، وسط مظاهرات عارمة تشبه الأيام الأخيرة قبل سقوط الشاه!

صحيحٌ أن أجهزة الحكومة الإيرانية متماسكة وتسيطر على مختلف مفاصل الدولة؛ بينما القوات المسلحة الإيرانية تتمتع بمعنويات مرتفعة وقدرات قتالية مُتقدمة، خاصة في مجاليْ الطائرات المسيرة التي تعد الأفضل في العالم، وكذلك الصواريخ الإيرانية طويلة المدى التي أرعبت الكيان الصهيوني الذي أخفقت أنظمته الدفاعية الأمريكية الصنع في التقاط تلك الصواريخ ووصولها إلى أهدافها في القواعد العسكرية في فلسطين المحتلة. وقد استفادت القيادة الإيرانية من الدروس والمِحَن التي مرَّت بها خلال الشهور الماضية، ولكن نجاحها هذه المرة في إدارة الحرب المحتملة يعتمد على عدة أمور ضرورية، ومسألة وجودها وقبل ذلك تفعيلها، قضية حياة أو موت بالنسبة للنظام الإسلامي القائم وهي:

أولًا: الحرب الاستباقية من خلال استهداف المرافق العسكرية في إسرائيل التي تُحرِّض واشنطن على مهاجمة إيران والمحاولة الحثيثة لحكومة نتنياهو لإسقاط النظام الإيراني للتمهيد لوصول رضا بهلوي الثاني للسلطة، الذي يُعد حليف الغرب ومساندًا للكيان الصهيوني، وأكد اعترافه بإسرائيل في حالة توليه حكم إيران.

ثانيًا: أهمية وجود منظومة دفاعية لحماية العمق الاستراتيجي والأجواء الإيرانية، مثل المنظومة الصينية التي قدمتها بكين لباكستان، وأثبتت كفاءتها خلال حربها الخاطفة مع الهند في مايو الماضي، وهذا يفترض أن تكون الحكومة الإيرانية قد بادرت- بل وأنجزت- ذلك خلال الفترة الماضية؛ كون أن ذلك يُشكِّل صمام الأمان للأمن القومي الإيراني، وعدم وجود ذلك يُعد تحديًا وجوديًا لكينونة الدولة الفارسية؛ فهناك اتفاقيات أمنية واقتصادية مع كلٍ من روسيا والصين وكوريا الشمالية يجب أن تُفعَّل، وكل تلك الدول تملك أنظمة دفاعية متقدمة، والأهم من ذلك كله هو الحصول على مقاتلات صينية متطورة لمواجهة الترسانة الأمريكية والإسرائيلية خاصة طائرات (إف- 32).

ثالثًا: تحسين وضع المجتمع من خلال السيطرة على الأسعار ودعم السلع والتدخل السريع لضبط صرف العملة في الأسواق المحلية، والأهم من ذلك كله إيجاد فرص عمل للشباب، فقد حان الوقت لتوجيه الموارد للداخل وليس للخارج الذي يهدف لتوسيع النفوذ وتصدير الثورة والسيطرة على بعض الأحزاب في المنطقة ومدها بالمال والسلاح على حساب الداخل؛ فالأقربون في الوطن أولى بالمعروف وتحسين أوضاعهم الاقتصادية.

ومن هنا، نؤكد أن منطقتنا العربية تمر هذه الأيام بأحداث استثنائية غير مسبوقة من الحروب المدمرة وتوترات إقليمية تحمل رسائل غير مُبشِّرة ومضمونها مؤشرات تُنذر بالمزيد من الصراعات المدمرة، في منطقة مُلتهبة في الأصل منذ عقود. فقد كانت الحرب العراقية الإيرانية (حرب الخليج الأولى) التي استمرت 8 سنوات وكلفت الطرفان أكثر من مليون جندي، غير المدنيين الذين يقدروا بمئات الآلاف من الضحايا. وتلى ذلك احتلال الكويت الذي جرَّ المنطقة كلها إلى حروب عبثية وخسائر قدرت بمئات المليارات شاركت فيها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية جميعها للدفاع عن أحد أعضائها باعتبار ذلك دفاعًا وجوديًا وأول اختبار لهذه المنظومة التي تأسست عام 1981، لحماية نفسها من المُنتصِر في الحرب الأولى. لم تكن المليارات التي ذهبت للدول الغربية التي حاربت لاستعادة الكويت الخسارة الوحيدة التي يمكن تفهمها؛ بل أصبحت دول المنطقة قواعد متقدمة للتواجد الأجنبي، الذي كان قد انسحب شكليًا أيام المد الثوري في ستينيات القرن الماضي، كما إن التلوث المصاحب للقنابل الفسفورية التي استُخدمت في الحرب الثانية والثالثة، كان من أسباب الأمراض السرطانية، لكونها واحدة من الكوارث التي انتشرت بين سكان المنطقة.

وفي الختام.. على دول الخليج المجاورة لإيران أن تتحكم بأجوائها وتمنع القواعد الأجنبية في أراضيها من استخدامها للهجوم على الجار الإيراني، كما ندعو إيران أيضاً لأن تبتعد عن المساس بمضيق هرمز والمحافظة على هذا الممر المائي الحيوي والذي تحكمه اتفاقيات دولية ويُشكِّل رئة للدول المُطلة على الخليج العربي، ويمر من خلاله أكثر من 20 مليون برميل يوميًا من النفط.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة

z