صالح بن سعيد الحمداني
نعيشُ في زمنٍ تتسارع فيه الكلمات كتسارع الأخبار وتُقال فيه العبارات أحيانًا دون تمعّن أو روية، وتبرز أناقة الكلمة كقيمة إنسانية وثقافية لا تقل أهمية عن أي مظهر خارجي أو إنجاز مادي؛ فالكلام حين يُصاغ بلطف ويُختار بحكمة يتحول من مجرد وسيلة تواصل إلى فن راقٍ، ومن أداة تعبير عابرة إلى بصمة شخصية تسبق صاحبها أينما حلّ، إنها أناقة من نوع مُختلف؛ أناقة لا تُرى بالعين، لكنها تُحَسّ بالعقل وتُلمس بالقلب.
وقد ارتبط مفهوم الأناقة في أذهان الكثيرين بالمظهر والملبس والهندام، إلّا أنَّ التجربة الإنسانية تثبت أنَّ الأناقة الأعمق والأبقى هي تلك التي تنبع من الكلمة، فكم من شخص متواضع المظهر لكنه يملك لسانًا رقيقًا يجعل حضوره مهيبًا ومحببًا؟ وكم من آخر أنيق الهيئة، لكن كلماته الجافة أو القاسية تنزع عنه بريقه فور حديثه؟ هنا تتجلى الحقيقة فالأناقة نجدها في الحروف التي ننطقها وفي الطريقة التي نخاطب بها الآخرين، وفي قدرتنا على احترام العقول والمشاعر معًا، وليس في القماش الذي نرتديه.
الكلمة الأنيقة لا تعني التكلّف أو التصنّع فهي ذلك الوعي، وعيٌ بتأثير ما نقول وإدراكٌ لمسؤولية اللسان، وفهمٌ أن للكلمات وزنًا قد يثقل القلوب أو يخفف عنها، فحين نختار ألفاظنا بعناية نمنح حديثنا قيمة، ونمنح من أمامنا شعورًا بالاحترام والتقدير، وهنا يصبح الكلام زينةً للعقل قبل اللسان، لأنه يعكس فكرًا متزنًا وشخصية ناضجة، وفي الحياة اليومية تظهر أناقة الكلمة في مواقف بسيطة لكنها عميقة الدلالة، تظهر في اختلاف الرأي دون إساءة، وفي النقد دون تجريح، وفي المزاح دون سخرية، وفي الصمت حين يكون الصمت أبلغ من الكلام، فالهدوء الذي نحمله بين السطور لا يقل أهمية عن الكلمات نفسها، أحيانًا ما لا يُقال يكون أبلغ مما يُقال، وما يُلمَّح إليه بلطف أعمق أثرًا مما يُصرَّح به بحدّة.
الإعلام بوصفه منبرًا للكلمة وصانعًا للرأي العام يتحمل مسؤولية مضاعفة في ترسيخ ثقافة أناقة الخطاب، فالكلمة الصحفية رسالة لها أثرها في وعي المجتمع وسلوكه فهي ليست مجرد خبر أو عنوان مثير، فعندما يتخلى الخطاب الإعلامي عن الرصانة والاتزان، وينجرف نحو الإثارة أو الاستفزاز، فإنه يساهم في نشر التوتر بدل الوعي، والانقسام بدل الحوار، أما حين يُصاغ الخبر بلغة مسؤولة، ويُقدَّم الرأي بحكمة واحترام، يصبح الإعلام شريكًا في بناء مجتمع أكثر نضجًا وإنسانية. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي، رغم ما أتاحت من مساحة واسعة للتعبير، كشفت في الوقت نفسه عن أزمة في أناقة الكلمة، فسهولة النشر وسرعتهما جعلتا الكثيرين يكتبون دون تفكير، ويتحدثون دون تقدير للعواقب، وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة قيمة اللطف في الخطاب، والحكمة في الرد، والوعي بأن خلف كل شاشة إنسانًا له مشاعر وحدود، فالكلمة الجارحة وإن كُتبت في لحظة غضب، قد تترك أثرًا طويل الأمد لا يُمحى بسهولة.
إن أناقة الكلمة يمكن أن يظنها البعض ضعفًا، ولكنها في الحقيقة قوة راقية، قوة من يملك نفسه عند الغضب ويختار عباراته عند الخلاف، ويؤمن أن الاحترام لا ينتقص من الموقف؛ بل يعززه، وهي أيضًا دليل على ثقة الإنسان بذاته؛ فمن يثق بفكره لا يحتاج إلى رفع صوته، ومن يثق بقيمه لا يلجأ إلى الإساءة، في المحصلة تبقى الكلمة مرآة صاحبها، وعنوان وعيه، وجواز مروره إلى قلوب الآخرين، وحين نُحسن اختيار كلماتنا، فإننا لا نُجمّل حديثنا فحسب، ولكن في حقيقة الأمر نُجمّل حضورنا في حياة الناس؛ فالأناقة الحقيقية في المناسبات ليس بما نرتديه وإنما بما نحمله في لغتنا اليومية وفي لهجتنا، وفي ذلك العطر الخفي الذي تتركه كلماتنا بعد أن نغادر المكان، إنها أناقة تبقى لأن أثرها أعمق من المظهر، وأصدق من أي زينة عابرة.
