أنت الأول في مسلسلك

 

 

 

صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد

 

الحياةُ في جوهرها مُسلسل يومي مُمتد من الحلقة الأولى حتى الحلقة الأخيرة. وأنت الأول في مسلسلك ولا أحد غيرك.

زمن يتدفق، وأحداث تتابع، وأسماء تغيب وأسماء تحضر بشخصياتها المحورية والثانوية ترسم وجودها في ذاكرة المشهد، وخط سردي يتشكل شيئاً فشيئاً، وحلقات متصلة تتكشف تفاصيلها تدريجياً مع مرور الوقت. وكل يسير وفق قدراته وإمكاناته ومنظوره للحياة في حدود مهبطه الكوني والجغرافي المُقدر له.

في حياة وجيزة يعيشها لسنوات معدودة، ما يلبث إلا أن يغادرها مودعاً دون اختياره ليسدل الستار على مسلسله. وخلال هذا الامتداد الدنيوي يعيش الإنسان في مركز قصته لا في هامشها، فهو المحور في كل المشاهد والبقية فروع لامتداده، إذا حضر تواجدوا في ناظريه وإذا غاب لا يعد لهم وجود.

وفي مساره يمر بتحديات وعوائق ومُفترقات طرق، ويواجه خيارات يترتب عليها قرارات تؤدي إلى نتائج حتمية. ويجد معه وحوله شخوصا بعضهم مؤقت وبعضهم يبقى معه طوال العمر لأنه اختار البقاء معهم، وآخرين يغلق صفحته دونهم، فينتزعهم من محيطه بإرادته.

ومن الخلل أن يُغادر الإنسان مسلسله وينشغل بمسلسلات الآخرين؛ فيُقارن حياته بحياتهم وينظر إلى ما عندهم من حظوظ بما ليس لديه. وتلك المقارنات لا تثمر إلّا الضيق ولا تفتح سوى أبواب الغيرة والحسد والكراهية والشقاق. ومن الصواب أن يركز المرء اهتمامه على مسلسله ولا يتدخل في مسلسلات غيره بما لا يُفيد ولا ينفع.

ومن التدخلات على سبيل المثال: التساؤلات من أخذ ماذا، ومتى، وكيف ولماذا؟ وهل يستحقون ما لديهم أم لا؟!

دع الخلق للخالق وامضْ في طريقك لشأنك فما عند غيرك من رزق، لا ينتقص من رزقك شيئًا.

 كما إن تعثرهم- إن ابتغيت- لا يمنحك تفوقًا ولا يُغيِّر من حقيقة الحياة المرسومة لك بمشيئة الله؛ فلا تمدن عينيك نحو متاع الآخرين، وارضْ بما قسَّم الله سلامًا للروح وراحةً للبدن.

ولكل إنسان قصته وحياته ونصيبه الذي لا يخطئه، وما أخطأه ما كان ليصيبه.

وما يُدريك؟ "لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا"، فما تراه ضعفًا لديك اليوم قد يتحول الى اقتدار غدًا، وماذا تظنه خسارة قد يغدو مكسبًا، وما تحسبه نقصًا قد يُصبح اكتمالًا حين يحين أوانه.

وحتى مع هذه التقلُّبات الدنيوية التي لا تثبت على حال نرى البعض ينظرون إلى الآخرين بدونية واستهتار. ويزدرون البطل في مسلسله ويتم تقييمه بمعايير سطحية جاهلة، تختزله في نسبه أو مهنته أو مظهره أو فقره أو حتى إعاقته!

بينما- في كافة الأحوال- احترام الناس ضرورة عقلية قبل أن تكون فضيلة أخلاقية، والتعامل معهم بلطف واجب إنساني؛ فهُم متفرِّدون في تكوينهم مختلفين في تجاربهم وأبطال في قصصهم.

 

فلا تُقلِّل من قيمة البطل ولا تستخف به ولا تهنه نتيجة لمقاييس خاطئة لا علاقة لها بكرامة الإنسان وآدميته؛ فالمقياس الحقيقي ليس بما تراه العين؛ بل بما يدركه العقل وتفهمه الروح.

وهناك فرق كبير بين من يرى الحياة كما تبدو، ومن يقرأها بإمعان كما هي.

فما هي إلّا ظل زائل وحلم قصير، ومرور عابر في كنف هذا الزمن السرمدي العظيم.

الأكثر قراءة

z