خالد بن حمد الرواحي
حين تتوالى الأيام وتتبدّل الوجوه على كراسي المسؤولية- كما شهدنا في الأيام القريبة الماضية من إحالة أسماء معروفة إلى التقاعد واستبدالها بأخرى- ندرك كيف يمضي الزمن بلا تردّد، وكيف أنَّ المناصب، مهما علت، مُؤقتة بطبيعتها. تمرّ اللحظات سريعًا، وتبهت تفاصيل المواقع، وتتوارى أسماء المشاريع من الذاكرة العامة، ويتلاشى بريق الأرقام التي بدت يومًا مصيرية.
عندها نكتشف أن ما يبقى ليس ما دوّنته التقارير، ولا ما حُفر على لوحات المكاتب، بل شيء أعمق وأهدأ: الأثر الذي نتركه في الناس. قد يمرّ المنصب سريعًا، وقد يُنسى القرار بمرور الوقت، لكن يبقى في الذاكرة أيضًا أولئك الذين استخدموا مناصبهم لخدمة الناس بصدق، فكان حضورهم أمانًا، وقراراتهم عدلًا، وأثرهم رحمةً ممتدة؛ والكلمة التي طمأنت، والموقف الذي أنصف، واللحظة التي احترمت إنسانية الآخر… تظل حيّة في ذاكرة من عاشها، حتى لو لم تُكتب في أي محضر.
وفي لحظات التبدّل هذه، يتضح أن الزمن لا يدين لأحد بالثبات؛ فهو يرفع أسماء ويُخفي أخرى، ويفتح أبوابًا ويُغلق غيرها، ويُعيد ترتيب المشهد بهدوءٍ لا ضجيج فيه. غير أن المُفارقة أننا- ونحن داخل السباق- نميل إلى الاعتقاد بأن الموقع سيحمينا من النسيان، أو أن القرار سيُخلّدنا في الذاكرة المؤسسية. لكن الواقع يمضي في اتجاه مختلف: حين تخفت الأضواء، لا تُوزن قيمة الإنسان بحجم ما امتلكه من نفوذ، بل بقدر ما أضافه من معنى وعدل ورحمة.
ولهذا، فإنَّ السؤال الأعمق لا يتعلّق بما تركناه خلفنا من ملفات أو مناصب، بل بما تركناه داخل الناس من طمأنينة أو قلق، من ثقة أو خيبة، من شجاعة أو تردّد. فكل إنسان يمرّ في حياة الآخرين كعابرٍ أو كأثرٍ باقٍ؛ قد نُنسى كأسماء، لكننا لا نُنسى كخبراتٍ عِيشَت معنا. إن ما يحفظ حضورنا الحقيقي ليس الذاكرة الرسمية للمؤسسات، بل الذاكرة الإنسانية الصامتة التي تختزن كيف شعر النَّاس معنا، وكيف تغيّرت حياتهم- ولو قليلًا- بسببنا.
ومن هنا تتبدّى المسؤولية في صورتها الأرقى: ليست في إدارة الوقت فقط، بل في إدارة الأثر الذي نتركه ونحن نمرّ فيه. فالقيادة- في جوهرها- ليست قوةً تُمارَس، بل أمانةٌ تُحمَل؛ أمانةُ أن تُستخدَم السلطة لحماية كرامة الآخرين لا لإثبات الذات، وأن نرى في كل قرار إنسانًا سيتأثر به، لا رقمًا سيُغلق به تقرير. لأن الزمن، حين يحاسبنا بهدوئه، لا يسأل عن صلابة القرار وحدها، بل عن إنسانيته.
وربما لهذا السبب يظلّ الزمن- على قسوته الظاهرة- عادلاً في جوهره؛ فهو يجرّدنا تدريجيًا من كل ما هو عابر، ويُبقي فقط ما كان صادقًا. حين ينحسر الضجيج، وتخفت الألقاب، وتُطوى الصفحات، لا يبقى أمامنا إلا مرآة بسيطة وصريحة تسألنا: كيف كنّا مع الناس حين امتلكنا القرار؟ كيف تعاملنا مع ضعفهم ونحن أقوياء، ومع خوفهم ونحن مطمئنون، ومع صمتهم ونحن نملك الصوت؟
وفي النهاية، فإن المنصب- مهما بدا دنيويًا- ليس حدثًا عابرًا يُطوى بانتهاء مدته، بل أمانة تمتد آثارها إلى ما بعد المغادرة. قد ينتهي اللقب، ويُسلَّم المكتب، ويُغيَّر الاسم على الباب، لكن ما صُنِع في تلك المرحلة لا ينتهي؛ يبقى أثره مكتوبًا، وإن خفي عن أعين الناس.
فهناك حسابٌ أدق من أي تقييم إداري، ورقيبٌ أصدق من أي تقرير رسمي؛ حسابٌ أمام الله الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم ما ظهر وما بطن. عندها لا يُسأل المرء عمّا بدا جميلًا في المشهد، بل عمّا كان حقًا وعدلًا في الجوهر؛ لا عمّا صفق له الناس، بل عمّا رضي به الضمير.
لذلك، حين يهدأ المشهد وتبتعد الضوضاء، نكتشف أن الزمن لا يترك لنا كثيرًا مما كنّا نعدّه عظيمًا، لكنه يحفظ- بدقّة صامتة- ما كان صادقًا فينا. تمرّ المناصب، وتتبدّل الوجوه، وتُطوى الصفحات… ويبقى الأثر.
