د. إبراهيم بن سالم السيابي
لم تكن أزمة انخفاض أسعار النفط في عام 2014 مجرد حدث اقتصادي عابر، بل كانت لحظة كشف صارخة وضعت البلاد أمام مرآة تعكس هشاشة القاعدة الاقتصادية. فمنذ سنوات، ظلّ الاقتصاد متكئًا على مصدر واحد للدخل، فيما كان الإنفاق العام يتمدد بلا حساب، دون أن يصاحبه استثمار حقيقي قادر على تنويع مصادر النمو أو ادخار يحمي البلاد من تقلبات السوق العالمية. ومع تلك الهزة في أسعار النفط، ارتفع الدين العام بسرعة، وتحول من أداة تمويل طبيعية إلى عبء ثقيل يضغط على الميزانية العامة ويهدد الاستدامة المالية.
وهنا يتجلى معنى «اللبن المسكوب»؛ فالألم الحقيقي لم يكن في انخفاض أسعار النفط بحد ذاته، بل في أننا لم نوزع عائدات سنوات الوفرة بين الاستهلاك والإنتاج والادخار بصورة متوازنة. فلو جرى استثمار تلك العائدات في بناء اقتصاد متنوع وخلق احتياطي استراتيجي، لما واجهنا الحاجة إلى الاقتراض لتمويل نفقات تشغيلية، ولما ذهبت موارد ثمينة إلى مشروعات غير إنتاجية لم تكن ضمن الأولويات، بينما بقيت قطاعات حيوية تنتظر الدعم.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار العمل الكبير الذي قامت به السياسات المالية خلال السنوات الأخيرة؛ حيث تراجع الدين العام من أكثر من 20 مليار ريال إلى نحو 14.6 مليار ريال بنهاية عام 2025، وهو تحسن مهم يعكس قدرة الدولة على السداد وضبط الإنفاق. ولكن، وعلى الرغم من هذا التراجع، فقد تم رصد في ميزانية عام 2026 مبلغ وقدره 911 مليون ريال لخدمة الدين، ومبلغ وقدره 300 مليون ريال مخصص لسداد بعض القروض. وهي مبالغ كان يمكن توجيهها للتعليم، أو الحماية الاجتماعية، أو دعم المشاريع الصغيرة، لكنها ذهبت لسداد التزامات سابقة.
واليوم، وبعد أن تم الإعلان عن أساس احتساب ميزانية عام 2026 بمتوسط سعر يبلغ 60 دولارًا للبرميل، تتزايد الضغوط الاقتصادية: عجز في الميزانية يقدر بـ530 مليون ريال، وارتفاع في أسعار الخدمات، وضعف في القوة الشرائية، وارتفاع أعداد الباحثين عن عمل، وتزايد حالات التسريح في القطاع الخاص. وهذه ليست أرقامًا جامدة في تقارير رسمية، بل واقعًا يوميًا يلمسه المواطن في فاتورة الكهرباء والماء، وإيجار المسكن، وأسعار السلع، وحتى في قدرة المشاريع الصغيرة على الصمود والاستمرار.
وفي ظل هذا المشهد، يتردد ذكر البنك وصندوق النقد الدوليين، لا رفضًا للخبرات الدولية؛ بل بسبب تجارب عالمية دفعت فيها شعوب أثمانًا باهظة عبر رفع الضرائب وتقليص الدعم عن الخدمات الأساسية؛ فالمواطن اليوم يخشى أن يتحول الدين العام إلى بوابة لزيادة أعبائه المعيشية، غير أن الدولة تدرك هذا القلق، وتعي جيدًا أن الإصلاح الحقيقي هو الذي يوازن بين متطلبات المالية العامة واستقرار حياة المواطن.
وبقدر ما يثقل الدين العام كاهل الدولة، يبقى الأمل معقودًا بقيادة مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- أيده الله- قائد النهضة المتجددة، الذي أثبتت التجربة نهجه الحكيم وقدرته على إدارة مسار إصلاحي متدرج ومتوازن يحمي الموازنة العامة دون المساس بكرامة المواطن. وقد جاءت هذه الثقة نتيجة قرارات اتسمت بالحكمة والهدوء ودقة التدرج.
واليوم، تقف الدولة أمام تحدٍّ مزدوج: إدارة الدين العام دون زيادة الأعباء على المواطنين، ومعالجة العجز المتوقع في الموازنة نتيجة انخفاض أسعار النفط، مع ضرورة ضمان استمرار الخدمات الأساسية، وخلق فرص العمل، والحفاظ على مستوى معيشي كريم للمواطن. ولهذا، فإن الحلول العملية والفورية تتطلب خطوات ملموسة وواقعية، لا مجرد وعود، من بينها:
- استثمار الأصول غير المستغلة أو المستغلة جزئيًا عبر التأجير أو البيع الجزئي للأراضي والمباني الحكومية، لتحرير سيولة فورية تُستخدم في سداد جزء من الدين.
- الشراكة مع القطاع الخاص في أصول إنتاجية، مثل الموانئ ومحطات الطاقة، بحيث يتولى القطاع الخاص التمويل والتشغيل، وتستفيد الدولة من العائد دون اللجوء إلى الاقتراض.
- إطلاق صندوق استثماري حكومي للأصول، لتحويل بعض ممتلكات الدولة إلى مشاريع مدرة للدخل، تُوجَّه عوائدها مباشرة لتقليل خدمة الدين أو تمويل مشاريع إنتاجية.
- توجيه أي عوائد إضافية من النفط والغاز فورًا نحو السداد أو الاستثمار المنتج، بدلًا من توجيهها للإنفاق الجاري.
- تحويل نسبة من النفقات التشغيلية إلى مشاريع إنتاجية أو شراكات مع القطاع الخاص، بما يقلل الضغط على الموازنة ويعزز فرص العمل.
وبالتوازي مع ذلك، يجب استمرار التركيز على المواطن بوصفه جوهر أي إصلاح اقتصادي: من خلال إعادة ضبط وتوجيه برامج الحماية الاجتماعية لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وتوسيع برامج التدريب على رأس العمل لتسهيل توظيف الشباب، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة مع اقتراح إعادة جدولة الديون، مع تخفيف الرسوم الحكومية مؤقتًا، حتى تستعيد هذه المشاريع قدرتها على الصمود والنمو.
إن هذه الاقتراحات لا تمثل تراجعًا عن الانضباط المالي، بل إعادة ترتيب للأولويات بما يحقق التوازن بين متطلبات الاقتصاد واحتياجات حياة المواطن، ويفتح نافذة للانتعاش دون تحميل المجتمع أعباء إضافية.
والدين العام ليس قدرًا محتومًا؛ بل تحديًا يمكن تجاوزه بالحكمة والإدارة الرشيدة. واليوم، تقف البلاد أمام لحظة مفصلية: إما أن تتحول الأزمة إلى عبء طويل الأمد، أو إلى فرصة حقيقية لإعادة البناء. والفارق بين الاحتمالين يكمن في قدرة الدولة والمجتمع على اتخاذ قرارات متوازنة وشجاعة تحمي المواطن وتعيد الاقتصاد إلى مساره الصحيح.
ختامًا.. بقيادة مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- أيده الله -وبوعي المجتمع، وبالإيمان بأن المستقبل لا ينتظر، يمكننا أن تتجاوز هذه المرحلة، وأن تجعل من «اللبن المسكوب» درسًا للتعلّم لا قدرًا يُستسلم له. فالاقتصاد ليس مجرد أرقام أو أسعار نفط متقلبة، بل هو حياة الناس، وكرامتهم، وأملهم في غدٍ أكثر استقرارًا وازدهارًا.
