محفوظ بن راشد الشبلي
في مكان كَثُرَ فيه لَغَطُ أحدِ الجَهَلة، ويعي الجميع بأنَّ المتكلم جاهل، فانتظر البعض كثيرًا ليردَّ أحدُ الحضور على ذلك الجاهل ويردعه عن جَهله، ويُعلِّمه احترامَ المكان الذي هو فيه واحترامَ جمعِ الحضور المتواجدين، فلم يقم أحدٌ بذلك، فوقف شخصٌ مكروهٌ في نفسه بالرد عليه بعد أن نفد صبره من همجية ذلك الجاهل، ووجَّه له كلماتٍ باحترامٍ فائق، وأردفها بدلائل معروفة من قاموس احترام آداب المكان، ولِعلمه بأنَّ الردَّ على الجاهل مصيبةٌ بحدِّ ذاتها في حق المتكلم، فخاطبه بما يليق به، فثار ذلك الجاهل كما هو متوقع، واسترسل في جَهله على ذلك الشخص المحترم الذي كلَّمه ونصحه، فندم المتكلم ندمًا كثيرًا على مخاطبته لذلك الجاهل والاحتكاك به، ولكنه صبر عليه لِعلمه بجهالة ردة فعله تجاهه، وهو السبب نفسه الذي أحجم عنه الكثيرون من الذين كانوا في المكان بالرد على ذلك الجاهل والمستهتر من مبدأ: بأن لا تُمارِ جاهلًا فتَجهلُ.
يُعلِّمنا هذا الموقف بأن بعض الجَهالة أحيانًا تحتاج للرد على أصحابها، وأن كثرة السكوت عليها ربما تُجنِّبنا الخوض في الجهالة، ولكنها تضرُّ بالمكان العام ومرتاديه، بل وتدخل كذلك في الإخلال باحترام الذوق في كثير من الأماكن التي نرتادها.
إن مثل ذلك الشخص الذي وقف رادًّا ورادعًا وناصحًا لذلك الجاهل، وبطريقته المُهذبة والمُحترمة تجاهه، يجب أن يُحترم بل ويُبجَّل، لأنه لم يرضَ بالجِهل العام والسكوت عن الجَهالة أينما حلَّت وتواجدت، وفي المُجمل نجد انتشار ظاهرة الجَهلة والتافهين في الأماكن العامة ونسكت عنهم خشية ردة الفعل الهمجية التي سيتعرض لها ذلك الشخص الفاضل المتكلم، ولكن بالمقابل فإن كثرة التنازل للسفهاء والجَهلة والسكوت عنهم تخلق نوعًا من اللامبالاة في مجتمعات راضية بالسفاهة وبالسكوت عن الرد عليها، وتُخلِّف ذوقًا عامًا مُشينًا ومشمئزًا لدى الكل.
إنَّ احترام المرافق والأماكن العامة كالأسواق والحدائق والمطاعم والمساجد لهو دليلٌ حضاري على مدى ما وصلت إليه أخلاق الأمم والشعوب من ثقافةٍ عامة ورُقيٍّ في احترام خصوصية الغير، وفي كيفية التعامل الراقي مع الآخرين، وكما قيل: تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين، بل ويعطي انطباعًا عامًا لمدى الثقافة العامة التي وصلت لها المجتمعات المدنية في كل بقاع الأرض.
ومما يدعو للدهشة هو مخالفة بعض الجَهلة للوائح والتوجيهات والنُظم التي تُحدِّد خصوصيات الأمكنة، سواء المُعلَنة أو المكتوبة أو المرسومة عند مداخل ومخارج كل مِرفق وكل مكان خِدمي عام، مما يعني استخفافًا بالنُظم والإرشادات، والتي تُخلِّف كثيرًا من الاستياء لمرتادي تلك المرافق والأماكن، وحتى في وجود أصحاب الأمن تجد تلك الأفعال تصدر من مخالفيها للأسف الشديد.
خلاصة القول: إن لم تستحِ فافعل ما شئت، وأن تبقى صامتًا عن الجِهل والجَهلة هي مُصيبة بحدِّ ذاتها، والدين النصيحة، وأضعف الإيمان أن تقول خيرًا لتلك الفئة بالتوجيه والنصح والإرشاد، وتُرفِقها بالدلائل من الكتاب والسنة وبالحِكم والمواعظ، كي تتلاشى تلك الأفعال الهمجية والمشينة قدر الإمكان، بل ويجب أن يتحلَّى المتكلم بالصبر على ردود أفعال الجهلة عليه، وعلى الحضور توجيه كلمة شكر لمن أناب عنهم بدفع ذلك البلاء وتلك الجَهالة من أفواه الجاهلين، بل ونوجِّه كلمة شكر لمن لا يرضى بالأفعال الشائنة، والدين النصيحة كما أوصى به رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، ومُصيبة الأمم وتخلُّفها تأتي عندما يختفي الناصح والآمر بالمعروف من المجتمعات ويحل الجاهل والتافه مكانه، والله المستعان.
