مُزنة المسافر
حَكي، ثرثرة، بهرجة، وسط العمارة الطويلة، الخِتيارة، هل هي بمكنسة؟
تطرد فيها الساهرين، الشاعرين بالنعاس، إنهم على درجات السلالم في العمارة الطويلة.
من الذي جاء بهم إلى هنا؟
تخبرهم الخِتيارة أن الغفوة صعبة، والنوم أصعب، ضحكاتهم عالية، تُسمع من السطح، والغد يبدء نهاره السعيد بفصل مع الراديو، والقهوة المطبوخة جيدًا، وقراءة ذكريات عتيقة حول بيروت المدينة.
وهل من أحد سيؤنسها الغد؟
لا تدري الخِتيارة، هل من زائرين وعابرين قد يطرقون بابها في حنين؟
لكن لا، هؤلاء غير المؤدبين يستحقون طردًا غريبًا، يلقي بهم إلى طرقات وأزقة مبتلة بمطر قد صار للتو.
اخترقهم شادي وهو قادم بالدربوكة في يده.
يسلم على الحائرين الناظرين إلى طبلته.
تصدح الخِتيارة أنها ستكنس أفكارهم، وتنهي أوهامهم، وستلقي بهم جميعًا إلى مناطق الملل من جديد، أحدثت تلك الجَلبة، وهددت بالمكنسة، لكن صوتًا ملائكيًا ظهر وسط الضجيج.
كان هذا هو صوت كارلا!
اخترق صوتها شعور شادي.
سألته ذاك السؤال الذي بحاجة إلى أكبر تفسير.
كارلا: شو صاير يا شادي؟!
صرخت الخِتيارة من فوق: كيف بدي نام والشباب بِدُن يسهروا الليلة؟
نظر شادي نحو كارلا، صراخ الخِتيارة لم يُبدِّد رغبته أن يشرح لكارلا، أن طعم السهرة صار أحلى الآن، وهل تكلم شادي أكثر؟ لقد غيبت مشاعره تلك الُغرة وحركت أمواج بحره كلها، يا ليته يشدها بريح تقدر على تحريك الأشرعة.
كيف يا شادي؟ أخبرها مثلًا خبرية مهضومة أو قصة مرسومة ببطل يشبهك!
لم تترك لك فرصة، وغيرت بالتأكيد القِصة.
وصدت الباب، ولم تحتمل إزعاج الساهرين، القادمين ليزعجوا الخِتيارة وكل من في العمارة.
هل ارتبك قلبك؟، ووجدت نفسك تراها بإعجاب كبير.
وهل نظرت الدربوكة إليها؟
وقالت كلام الدرابيك، وعلمت قلبك أن ينطق: دمبك تك دمب!
طبعًا لن تنظر إليك، ما معك مصاري!، ليس لك مال أو مقام، لك هذه الدربوكة والمعلم سمير، والموتور، وماذا أيضًا؟
لك الفن يا شادي، كل الفن، أنت فنان وإنسان يا شادي.
وقد يقدر أهل الفن أن يخبروا كارلا من فوق تلك الشرفات، حين يشاهدون أجمل الغيمات، عنك وعن أحلامك الوردية، خصوصًا حين يحتسون أي قهوة نهارية، ويخلطون وقتهم بلعب الورق وروي الأزهار في الأصائص.
سيطلعونك على سلم سيأخذك فوق الدرجات القصيرة إلى فوق حيث هي، ويخبرونك أن القرميد الذي ترتمي عليه العصافير ستغني لشجاعتك، وبسالتك في قول الأشياء.
وهل ستقول لها قصيدة طويلة؟
مضمونها أنك ابن المدينة.
وأن بيروت تعرفك وسط طرقاتها وأزقتها الجميلة، وأن روحك النبيلة ستكون دومًا حولها.
وماذا لو قالت لك من جديد؟ أين هي المصاري يا شادي؟ قل لها: إنها قادمة من السماء الواهبة للعطايا، وخذي مني أفضل الهدايا، قلبي ووقتي، وكوني معي في جولة على الدراجة النارية، الموتور سيأخذنا ربما إلى الضيع البعيدة، وهناك يا كارلا سيوصي فؤادي على فؤادك بمعطف شتوي، أو بظل لبيت حجري.
