أحمد بن محمد العامري
في كثير من المجتمعات والمؤسسات يختلط على بعض المسؤولين الفرق بين السلطة والوظيفة، فيُختزل المنصب في مظاهره الخارجية من نفوذ وهيبة وقدرة على التحكم، بينما يُغفل جوهره الحقيقي القائم على الخدمة وتحمل المسؤولية. فالسلطة مهما اتسعت، تظل أمانة ثقيلة، والوظيفة ليست امتيازًا شخصيًا؛ بل رسالة أخلاقية تفرض على شاغلها العمل من أجل الناس وتحسين جودة حياتهم. وعندما يطغى هاجس السلطة على معنى الوظيفة يتحول المنصب إلى أداة للظهور، وتتراجع المبادرات الصادقة التي تصنع فرقًا حقيقيًا في المجتمع.
يتجلى الفرق بوضوح في طريقة فهم النجاح وتقييمه، فالمسؤول المُنشغل بالسلطة يقيس إنجازه بالمكانة الاجتماعية وكثرة الظهور واللقاءات الرسمية، في حين يربط المسؤول الذي يُدرك معنى الوظيفة نجاحه بمدى تأثير قراراته في حياة الناس وتحسن مستوى الخدمات، وتعزيز رفاه المواطن. هنا تتضح المسافة بين قيادة شكلية لا تتجاوز حدود المظاهر وقيادة واعية تنظر إلى المنصب كوسيلة للتغيير الإيجابي المستدام.
فعندما تُدار المسؤولية بعقلية السلطة تتسع الفجوة بين المواطن والمؤسسات، ويترسخ شعور بالاغتراب وضعف الثقة، فيغدو الاعتقاد السائد أن المؤسسات وُجدت لخدمة المسؤولين لا لخدمة المجتمع. أما حين تُقدَّم الوظيفة على السلطة تنشأ بيئة قائمة على الشفافية والمساءلة، ويشعر المواطن بأنه محور التنمية، فتقوى روابط الثقة والانتماء ويستعيد العمل العام معناه الحقيقي.
ولا يقتصر أثر هذا الاختلاف على علاقة المسؤول بالمجتمع فحسب، بل ينعكس أيضًا على ثقافة العمل داخل المؤسسة. فالمسؤول الذي تحكمه عقلية السلطة غالبًا ما يخلق بيئة يسودها الخوف والطاعة العمياء، ويقصي النقد والأفكار الجديدة، مما يضعف الابتكار ويحدّ من التطور. في المقابل، يُسهم المسؤول الذي يعيش الوظيفة في بناء مناخ يشجع المبادرة ويثمّن الجهد ويحتضن النقد البنّاء، فتتحول المؤسسة إلى كيان حيّ قادر على التطور وخدمة المجتمع بكفاءة.
القيادة الحقيقية لا تُقاس بقوة المنصب ولا ببريقه، بل بقدرة صاحبه على تحويله إلى منصة للعمل الصادق وخدمة الناس. فالمسؤول الواعي يدرك أن الوظيفة أمانة، وأن السلطة مسؤولية لا معنى لها إن لم تُستخدم لحماية الحقوق وتحقيق الصالح العام، وعندما يُقدَّم هذا الفهم، يصبح المنصب رمزًا للتأثير الإيجابي لا مجرد لقب، ويُقاس الأثر بما يُترك من تحسين في حياة الناس وبما يُبنى من ثقة واحترام، ومن يدرك معنى شعار كلية ساندهيرست العسكرية في المملكة المتحدة "Serve to Lead" يفهم أن القيادة الحقة تبدأ بالخدمة.
في الختام، تبقى السلطة بلا وظيفة اسمًا بلا مضمون، بينما تصنع الوظيفة التي تُمارَس بروح المسؤولية قادة حقيقيين يتركون أثرًا مستدامًا.
المسؤول الذي يبحث عن النتائج لا عن المظاهر، وعن البناء لا عن الهيبة الزائفة، هو من يحول موقعه من مركز قوة إلى رسالة تغيير، والفرق بين من يعيش السلطة ومن يعيش الوظيفة واضح في النهاية: الأول يزول أثره بزوال المنصب، أما الثاني فيبقى حضوره حيًا في ذاكرة الناس وثقافة العمل والمجتمع، وينال تقديرهم ودعواتهم بعد أن يترك موقعه.
