حيدر بن عبدالرضا اللواتي
نقرأ بين حين وآخر عن إعلان تصفية لإحدى الشركات العُمانية، وقد يصل الأمر إلى إفلاسها في وقت ما، الأمر الذي يتطلب من إدارات الشركات العمل بكل قواها وبأساليب إدارية حديثة بجانب الاعتماد على التقنيات المُتقدمة لزيادة الإنتاج والاستمرار في العطاء. ويبدو أن عمليات التصفية في سلطنة عُمان أكبر من عمليات الإفلاس بسبب الظروف التي مرَّت بها الشركات والمؤسسات بعد سنوات تعرضت فيها إلى بعض الأزمات المالية والإدارية خاصة بعد تراجع أسعار النفط وتعرض الدولة لجائحة كوفيد 19 وغيرها من الصعوبات الأخرى التي تمر بها.
وقانون الإفلاس في سلطنة عُمان ليس بقديم، حيث تم إصداره قبل عدة سنوات، بموجب المرسوم السلطاني رقم 53/2019، ودخل حيِّز التنفيذ في يوليو عام 2020. والقانون يهدف إلى تحقيق عدد من الأغراض منها تنظيم إجراءات الإفلاس بكل شفافية بين الدائنين والمدينين، وحماية حقوق الأطراف من العمال والمُؤسسات، والعمل على دعم الاستقرار الاقتصادي وجذب الاستثمار الأجنبي وفق رؤية عُمان 2040.
ورغم صدور هذا القانون، إلا أن هناك عدة إجراءات ينظمها قبل الإعلان عن التصفية، منها العمل بالصلح الوقائي، وهو محاولة لتسوية الديون قبل إعلان الإفلاس، وإعادة الهيكلة لتنظيم الديون واتفاق مع الدائنين يسمح للشركة بالاستمرار، ومن ثم الإعلان عن الإفلاس الرسمي أمام المحكمة، وتوزيع أصول الشركة أو المؤسسة وفق أولويات محددة تبدأ بدفع رواتب العمال، وضرائب الدولة، وحقوق الدائنين. كما أن القانون العُماني يشترط إعلان الإفلاس بأمر قضائي ولا يعتبر إفلاسًا بمجرد توقف الشركة عن الدفع وحده.
وهناك عدة أسباب رئيسية تؤدي إلى إفلاس المؤسسات والشركات منها ما يتعلق بالبيئة الاقتصادية كضعف التخطيط المالي وإدارة التدفقات النقدية في الشركة نفسها، وسوء تقدير رأس المال العامل، وعدم توقع الالتزامات المالية التي لها أثر كبير على قدرة الشركات على الدفع في المواعيد المستحقة، وارتفاع التكاليف التشغيلية كالإيجارات وأجور العاملين والخدمات الأخرى، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع هوامش الربح وضعف القدرة على الاستمرار. كما أن عدم التكيف مع التطورات السوقية يؤدي إلى فشل بعض الشركات في تبني طرق تجارية حديثة، أو المنافسة مع شركات تمتلك موارد أكبر، فيما يمثّل قلة الوعي القانوني والمهني مشكلة لدى بعض الشركات العُمانية، الأمر الذي ينتج عنه عدم فهم أصحاب الأعمال للآليات المتاحة في قانون الإفلاس (كالصلح الوقائي) الذي يؤدي إلى تأخر الإجراءات حتى تفاقم الأزمة. كما ان هناك عوامل اقتصادية خارجية تؤدي إلى إفلاس بعض المؤسسات كتغير أسعار النفط العالمية، وتقلبات الاقتصاد الدولي، وتباطؤ الإنفاق الحكومي الذي يؤثر على النشاط الاقتصادي بشكل عام، بالإضافة إلى المشاكل الناجمة عن قلة السيولة في السوق، وتأخر المدفوعات سواء من طرف المؤسسات الحكومية أو الشركات أو العملاء الآخرين الأمر الذي يؤدي إلى اختلال كبير في السيولة.
إضافة إلى ذلك، يمثّل الفساد أحيانا مشكلة في العمل التجاري حيث يؤدي فعلًا إلى تصفية الشركات والمؤسسات أو إفلاسها سواء بطريقة مباشرة أو عبر تراكم أثره السلبي. وهذا ينتج بسبب سرقة موارد المؤسسات أو اختلاس أموالها والتي تقلّص السيولة وتزيد الالتزامات النقدية، فيما يؤدي الفساد أحيانا إلى حصول التعاقدات المحسوبية مع محاباة مع المزودين والمقاولين، الأمر الذي يزيد من التكاليف، ويخفّض جودة السلع والخدمات، فتتآكل الحصة السوقية والإيرادات. فالفساد في المناقصات يؤدي إلى دفع مبالغ زائدة وإنتاج مشاريع فاشلة، مما يفاقم الخسائر الرأسمالية.
كما أن التلاعب بالحسابات وإخفاء الخسائر يؤخر اتخاذ إجراءات تصحيحية حتى تتفاقم المشكلات المالية، فيما يزيد دفع رشاوى وعمولات غير مشروعـة إلى التهام الربحية وزيادة تكاليف التشغيل. وأخيرا فإن الفساد الإداري في المؤسسات يعيق اتخاذ قرارات استراتيجية سليمة في حال تعيين كوادر غير أكفاء وترقيتهم على أساس الولاء، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف الأداء التشغيلي. وهناك فرق بين تصفية الشركة والإفلاس في القانون العُماني؛ حيث إن لكل منهما أسباب وإجراءات وآثار قانونية مختلفة. فالتصفية قد تكون نتيجة لقرار استراتيجي أو انتهاء الغرض، بينما الإفلاس هو نتيجة لأزمة مالية وعدم القدرة على سداد الديون.
والشركات التي تتعرض لمثل هذه الصعوبات عليها إيجاد حلول للحفاظ على استدامتها، من خلال تحسين التخطيط المالي، وتطوير نماذج التكلفة والتدفق النقدي لديها، ووضع احتياطيات لمواجهة الأزمات، بالإضافة إلى الاستفادة من أدوات إدارة المخاطر المالية. ومن المهم جدا أن تتبني المؤسسات المرونة والتكيف مع التغيير والتحول الرقمي وتبني التجارة الإلكترونية والابتكار في التسويق، بالإضافة إلى تطوير منتجات وخدمات تتوافق مع الطلب المتغير، والوصول المبكر إلى آليات الصلح الوقائي وإعادة الهيكلة، والاستمرار في التعليم القانوني والتدريب المهني، إضافة إلى حوكمة الشركات وتقوية الإدارة والعمل بالشفافية.
وأخيرًا.. إنَّ تطبيق قانون الإفلاس يحتاج إلى دعم عملي متزايد ووعي قانوني، وتدريب القضاة، ودعم العمال، والعمل بأدوات إعادة الهيكلة حتى يُحقق أهدافه في الاستدامة الاقتصادية، ومن المهم جدًا أن تتخلص المؤسسات العُمانية من البيروقراطية الزائدة لتُعطي الفرصة للشركات الصغيرة والمتوسطة بأن تنهي أعمالها دون عقبات بحيث لا تضطر إلى إعلان التصفية والإفلاس.
