حين يسكن البيتُ في البنك

 

 

محمد بن أنور البلوشي

نحلم جميعًا بامتلاك منزل نعيش فيه بكرامة وطمأنينة؛ فالبيت ليس مجرد جدران وسقف، بل هو إحساس بالاستقرار والانتماء. ولا أحد يستمتع بالعيش في منزل مستأجر حيث يبدأ كل شهر باتصال المالك أو طرقه على الباب مطالبًا بالإيجار.

هذا الشعور يدفع الكثيرين إلى ما يبدو أنه الحل الأسهل والأسرع: الحصول على قرض سكني من بنك تجاري. لكن السؤال الحقيقي هو: هل هذا الحل يخدم مستقبلك أم يرهقه؟

القرض السكني يُقدَّم دائمًا على أنه “خدمة” أو “تسهيل” يساعدك على تحقيق حلمك. غير أن الحقيقة المالية مختلفة تمامًا. القرض السكني هو من أكثر المنتجات ربحية للبنوك، وأطولها أثرًا على حياة المقترض.

عندما توقّع عقد قرض لمدة عشرين أو خمسٍ وعشرين سنة، فأنت لا تشتري منزلًا فقط، بل ترهن جزءًا كبيرًا من دخلك المستقبلي، وربما حريتك المالية، لصالح البنك.

أكبر مشكلة في القروض السكنية هي التكلفة الحقيقية التي لا يلتفت إليها كثيرون. أغلب المقترضين ينظرون إلى قيمة القسط الشهري فقط، ويتجاهلون المبلغ الإجمالي الذي سيدفعونه خلال العقود القادمة. منزل قيمته 80 ألف ريال قد ينتهي بك الأمر إلى دفع 130 ألف ريال أو أكثر بسبب الفوائد. هذا الفرق الكبير لا يضيف لك غرفة إضافية ولا يرفع جودة حياتك، بل يذهب مباشرة إلى أرباح البنك.

ثم يأتي العبء النفسي. القرض السكني يقيدك وظيفيًا وحياتيًا. لا تستطيع المخاطرة بتغيير عملك، ولا بدء مشروع بسهولة، ولا حتى التفكير في التقاعد المبكر؛ فالقسط الشهري لا ينتظر، والبنك لا يعرف معنى “الظروف”. تأخر بسيط في السداد يعني غرامات، وتأخر أطول قد يتحول إلى قضية قانونية. وفي أسوأ السيناريوهات، قد يخسر الإنسان بيته بعد أن دفع فيه سنوات من عمره وماله.

كما أن القرض السكني يخلق وَهْم الملكية. كثيرون يقولون بفخر: “هذا بيتي”، بينما صك الملكية الحقيقي مُحتَجز لدى البنك. ما دام القرض قائمًا، فالمنزل مرهون، ولا تملك حرية التصرف الكاملة فيه. لا تستطيع بيعه أو رهنه أو حتى اتخاذ قرارات كبيرة بشأنه دون موافقة الجهة الممولة. الملكية الحقيقية لا تبدأ إلا مع آخر قسط.

ولا يمكن تجاهل مخاطر أسعار الفائدة والتضخم. في القروض ذات الفائدة المتغيرة، قد يتحول القسط “المعقول” اليوم إلى عبء خانق غدًا. ارتفاع بسيط في سعر الفائدة قد يضغط ميزانية الأسرة بشدة، بينما الرواتب نادرًا ما ترتفع بنفس السرعة.

اجتماعيًا، القروض السكنية تكرّس ثقافة العيش في الدَّين. يُدفع الشباب إلى الاقتراض في سن مبكرة، فيقضون أفضل سنوات إنتاجهم في سداد التزامات طويلة الأجل. وبدلًا من بناء ثروة أو ادخار حقيقي، يستهلك الدخل في خدمة القرض، ويؤجَّل الأمان المالي إلى عمر متأخر.

فما البدائل إذن؟

أولًا: السكن بالإيجار ليس فشلًا ماليًا كما يُصوَّر. الإيجار يمنحك مرونة. الفارق بين الإيجار وقسط القرض يمكن ادخاره أو استثماره بذكاء، ومع الانضباط، قد يتحول هذا الادخار إلى رأس مال حقيقي دون ضغوط نفسية أو قانونية.

ثانيًا: البناء التدريجي خيار مهمل. شراء أرض والبناء على مراحل حسب القدرة المالية يجنّبك الفوائد بالكامل. قد يستغرق وقتًا أطول، لكنه يضمن أن يكون المنزل ملكك فعلًا، لا مرهونًا.

ثالثًا: التمويل العائلي أو التعاوني قد يكون أقل تكلفة وأكثر إنسانية. القروض الحسنة، أو جمعيات الادخار، أو الدعم العائلي، وإن كانت محدودة، إلا أنها تحميك من استنزاف الفوائد.

رابعًا: خفّض سقف التوقعات. ليس من الضروري امتلاك منزل كبير منذ البداية. البدء بمسكن متواضع، أو شقة صغيرة، ثم التدرج لاحقًا دون ديون ثقيلة، خيار أكثر حكمة واستدامة.

وأخيرًا.. الوعي المالي هو خط الدفاع الأول. قبل توقيع أي قرض سكني، اسأل نفسك بصدق: هل هذا المنزل يستحق رهن عشرين أو خمسٍ وعشرين سنة من دخلي وراحتي النفسية؟ البيت يجب أن يكون مصدر أمان، لا مصدر قلق دائم.

البنوك ستواصل الترويج للقروض السكنية لأنها مُصمَّمة أساسًا لخدمة أرباحها. أما المقترض الواعي، فعليه أن يتوقف، يحسب، ويفكر بعمق. أحيانًا، أعظم قرار مالي ليس امتلاك منزل بسرعة، بل امتلاك مستقبلك بحرية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z