المركزية المُرهِقة

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

في بعض المؤسسات، لا تتعطل المعاملات لنقص الأنظمة، ولا لغياب الموظفين، ولا حتى لتعقيد الإجراءات؛ بل لسبب أبسط وأعمق في آنٍ واحد: لأنَّ كل شيء يجب أن يمر عبر شخص واحد. عندها لا يكون العطل في النظام نفسه، بل في نقطة واحدة داخله.

ومن هذه النقطة تحديدًا تبدأ المشكلة: حين يتحول هذا النمط إلى بوابة إلزامية لكل قرار وتوقيع، تفقد الإدارة حركتها الطبيعية، وتتحول من منظومة تعمل إلى مسار يتباطأ، ومن مؤسسة تخدم إلى مكتب تتراكم فيه المعاملات. لا لأن العمل معقّد، بل لأن الصلاحية محتجزة.

فالمركزية، في أصلها، أداة تنظيم. لكنها حين تتحول من تنظيم إلى احتكار، ومن مسؤولية إلى خوف، ومن إشراف إلى سيطرة… تتحول إلى عبء يُرهق المؤسسة بدل أن ينظمها.

وفي هذا النمط من الإدارة، تتكرر العبارات المألوفة:

»أي معاملة… أرسلوها لي.«

»لا تمشي بدون توقيعي.«

»خلّوها عندي.«

تبدو هذه العبارات، في ظاهرها، حرصًا. لكنها في عمقها- كثيرًا ما تكون- نقص ثقة، وخوفًا من التفويض، وقلقًا من أن يعرف الآخرون أكثر مما ينبغي. ومع هذا الخوف، لا تتعطل المعاملة فقط؛ بل تتعطل الثقة.

وهنا تبدأ آثار ذلك في الظهور: تتعطل الثقة بين المسؤول وفريقه، وبين المؤسسة والمواطن. ومع تراكم هذا التعطل الخفي، لا تتجمد الإجراءات وحدها، بل تتراجع معها المبادرة، ويبهت الحافز، ويبدأ الموظف- دون أن يشتكي- في الاكتفاء بالحد الأدنى من الدور.

والمُفارقة أنَّ كثيرًا من هذه المعاملات، حين تصل إلى صاحب التوقيع الأعلى، لا تُضاف لها قيمة فعلية؛ إذ تكون- في الغالب- قد أُعدّت وفُحصت من الموظف المختص الأقرب للموضوع، بينما يتحول التوقيع الأعلى إلى إجراء شكلي يضيف زمنًا أكثر مما يضيف مضمونًا.

ويزداد هذا الخلل وضوحًا حين لا توجد صلاحيات مفوّضة حتى داخل الفرع نفسه؛ فإذا غاب المسؤول الأعلى، توقفت المعاملات كليًا، لا لغياب النظام، بل لغياب التوقيع.

وعندها، بدل أن تُسرّع المركزية العمل، تُبطئه، وبدل أن تحمي الجودة، تُثْقِلُها، وبدل أن تُطمئن المؤسسة، تُرهِقُها.

ويتضح هذا أكثر حين ننظر إلى الفروع. فعندما تُنشئ جهة حكومية فروعًا، وتُعيّن موظفين، وتُشيِّد مباني، ثم تُفرغ كل ذلك من الصلاحيات، وتُبقي القرار والتنفيذ في المركز… فهي لا تطبق اللامركزية، بل تحاكيها شكليًا.

يصبح الفرع واجهة استقبال لا جهة خدمة، ويصبح الموظف ناقل أوراق لا صانع حل، ويصبح المواطن متنقّلًا بين المكاتب بدل أن يكون مستفيدًا من وجودها.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت كل معاملة ستعود إلى المركز… فلماذا أنشأنا الفروع أصلًا؟

والمفارقة أن هذا النمط لا يُرهق المواطن فقط، بل يُرهق المسؤول نفسه. فمن يُمسك بكل شيء… يتعب من كل شيء. ومن لا يُفوِّض، لا يتفرغ. ومن لا يثق، لا يرتاح. فيتحول وقته من التخطيط إلى التوقيع، ومن الرؤية إلى المعاملات.

بينما الدور الحقيقي للمسؤول الأعلى ليس أن يُنجز كل معاملة، بل أن يُصمم منظومة تُنجز المعاملات بكفاءة، ونزاهة، وسرعة، حتى في غيابه.

ومن هنا نفهم أن اللامركزية ليست تنازلًا عن السلطة، بل استثمارًا فيها. هي نقلٌ للقدرة لا إسقاطٌ للمسؤولية، وهي تقويةٌ للرقابة لا إضعاف لها.

أما الخوف من أن التفويض سيجعل الناس يستغنون عن القائد، فهو فهمٌ مقلوبٌ للقيادة. لأن القائد الحقيقي لا يُقاس بعدد التواقيع، بل بعدد الأشخاص الذين يمكّنهم من النجاح.

فالمؤسسات لا تُبنى بأن نُمسك كل الخيوط بأيدينا، بل بأن ننسج شبكة لا تنهار إذا غابت يد واحدة.

وربما آن الأوان أن نُعيد طرح سؤال بسيط داخل إداراتنا: هل نحن نُدير العمل… أم نُدير خوفنا من فقدانه؟ لأن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين مؤسسة تخدم الناس، ومؤسسة تُتعبهم.

الأكثر قراءة

z