مصير المقاومة ومصير إسرائيل

 

 

د. عبدالله الأشعل **

التَّقابل بين إسرائيل والمُقاومة له ما يُبرره لأنَّ نشأة إسرائيل فعل والمُقاومة هي رد الفعل ولذلك المقاومة ليس هناك حاجة لها عند زوال إسرائيل. وهناك بديل آخر وهو أن الدول العربية القريبة من إسرائيل وأمريكا تسعى إلى إرغام إسرائيل أو إقناعها للتوصل إلى تسوية عادلة على أرض فلسطين. وهذا مستحيل لأنَّ أمريكا في عهد ترامب مُصرَّة على أنَّ المجال لا يسمح لإسرائيل والمقاومة ويُصِر ترامب على زوال المُقاومة. ولكننا نتوقع المقاومة ستستمر ما دامت إسرائيل موجودة وتجسيد للمشروع الصهيوني الذي يريد الانفراد بفلسطين وإفراغ أرض فلسطين من سكانها.

وما دامت إسرائيل قد توحشت بالدعم الأمريكي وراودتها آمال كبيرة للسيطرة على المنطقة وإنشاء إسرائيل الكبرى؛ فالحديث عن مصير إسرائيل وارد وهذا الافتراض قائم على عدة أُسس:

الأساس الأول: أن القانون الدولي في عصور مختلفة يؤكد حق الشعوب في المقاومة ومادامت إسرائيل وكيلًا حصريًا للمشروع الاستعماري الغربي للمنطقة فإنَّ المقاومة أسبق من إسرائيل.

الأساس الثاني: أن المشروع الصهيوني في صورته الأولى المُبكرة أدى إلى التلون بحيث لم يفهم العرب مراميه الحقيقية إلا مؤخرًا أثناء طوفان الأقصى. ومادامت إسرائيل الصهيونية لا علاقة لها باليهودية فإنَّ الصراع سياسي في المقام الأول وليس دينيًا كما زعمت بعض الجماعات الإسلامية؛ فالمسألة ببساطة ظاهرة واضحة وهي الاعتداء على شعب آمن بقصد استلاب أرضه واستعباده ولذلك فالمقاومة كانت دائمًا ضد المهاجرين الصهاينة الذين تسللوا إلى فلسطين.

الأساس الثالث: أن إسرائيل كشفت عن حقيقتها وأهدافها مؤخرًا وإن كانت بشكل مؤكد تريد كل المنطقة وحاولت التخفي وساعدها على ذلك ضغوط الغرب وبريطانيا العظمى؛ فإسرائيل نتيجة مُؤامرة غربية على المنطقة.

الأساس الرابع: تصادف أن المقاومة وإن كانت ظهرت في كل المراحل، ولكنها صادفت ظروفا أكثر ملاءمة وهي الصراع بين الغرب ممثلاً في إسرائيل وبين الثورة الإسلامية في إيران وهذا الصراع متعدد الأركان فهو صراع ديني وسياسي ويمس الوطن. فإيران جزء أساسي في المنطقة وتريد أن تسود وهذا حقها، أما إسرائيل فهي عدو للمنطقة وغريبة عنها ووافدة عليها والمشروعان الإيراني والصهيوني يتنازعان على الجسم العربي والإسلامي.

فلو كان هناك مشروع عربي إسلامي لتصادم مع المشروعين أو بعبارة أدق لو كان الصراع بين المشروع الإيراني والمشروع الصهيوني ليس موجودًا؛ فحل هذا الصراع يمكن بطريقتين إما أن تنتصر إيران ومشروعها والمقاومة وتزول إسرائيل وإما أن ينشأ محور عربي إسلامي ينهض بهذه المهمة.

وفى كل الأحوال إسرائيل زائلة لا محالة بناء على الاعتبارات الآتية:

أولًا: أن إسرائيل كيان غريب مزروع بمؤامرة غربية في المنطقة ويوم ينقسم الغرب إلى أمريكا وأوروبا تزول إسرائيل.

ثانيًا: أن إسرائيل قامت على التعمية للعرب والخديعة، ولكن الثورة التكنولوجية وتطورات الأحداث في المنطقة أفهمت العرب كل شيء. ولا بُد أن الدول العربية تندم الآن على موقفها الحالي من إسرائيل.

ولما كانت إسرائيل تقف على أرض صلبة وبدعم أمريكي كاسح فإنها رفضت صراحة تقرير مصير الشعب الفلسطيني في أرضه وزعمت أنها يهودية وأن اليهود كانوا في فلسطين منذ آلاف السنين وأن الفلسطينيين هم الذين اعتدوا عليها.

هذه الكذبة الكبرى بررتها إسرائيل والغرب، ولكن انكشفت أمام الدول العربية.

ثالثًا: أن الشعوب العربية مصرة على إزالة إسرائيل عن طريق المقاومة والمقاومة لها مستويات متعددة؛ فهناك مقاومة نفسية ترفض توحش إسرائيل وهيمنتها على المنطقة وهناك مقاومة ثقافية ومقاومة سياسية ومقاومة مسلحة. وليست المقاومة المسلحة هي الوجه الوحيد للمقاومة. وكره إسرائيل لدى الشعوب العربية والإسلامية كان ظاهرة خلال الصدام العسكري بين إيران وإسرائيل. ولا بُد أن إسرائيل وأمريكا لاحظوا كراهية العالم العربي لهما وميلهما لإيران الإسلامية وتجاوزوا الفتنة الطائفية التي تُقسِّم المُسلمين إلى شيعة وسنة.

رابعًا: أن المقاومة سوف تنقلب مقاومة شعبية أساسها كراهية إسرائيل وعملائها كما أن كراهية أمريكا تزداد مع تصرفات ترامب وآخرها خطف رئيس فنزويلا ومحاكمته أمام القضاء الأمريكي بحجج مُختلفة، ولكنَّ العالم كله غير مقتنع بحجج الولايات المُتحدة.

والمُؤكد أنَّ أمريكا تتراجع إلى الصفوف الخلفية كدولة عظمى فقد هزمت في غزة وهزمت في أوكرانيا ولذلك فإنَّ المقاومة ستستمر وإسرائيل ستزول.

خامسًا: أن إسرائيل قامت على القوة وكانت المقاومة الفلسطينية تقتصر قبل السابع من أكتوبر 2023 على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ولكن منذ السابع من أكتوبر أرادت تحرير كل فلسطين وليس فقط تحرير الجزء من فلسطين الذي يلي إسرائيل.

سادسًا: إذا كانت إسرائيل قامت على القوة فإنها هزمت في الميادين العسكرية أمام المقاومة وهزمت قبلها يوم السابع من أكتوبر؛ والذي أنهى أسطورة إسرائيل الكبرى والجيش الذي لا يهزم وأن الموساد يعرف كل شيء.

ولذلك شهدت إسرائيل بعد السابع من أكتوبر هجرة عكسية واسعة فأعطبت المشروع الصهيوني وصفقة القرن رغم استعداد بعض الحكام في المنطقة للمساعدة في صفقة القرن.

سابعًا: أن القضية الفلسطينية كانت تتراجع على المستوى الدولي، ولكن السابع من أكتوبر أرغم العالم الخارجي على إدراك الحقيقة فصارت القضية الفلسطينية تتصدر جميع الساحات السياسية.

ثامنًا: تأكد زوال إسرائيل بقرار المحكمة الجنائية الدولية الذي أدان نتنياهو ووزير الدفاع السابق بارتكاب جرائم حرب وجرائم الإبادة الجماعية وطالبت المحكمة بالقبض عليهما. وقد أعلنت دول كثيرة أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية أنها سوف تنفذ قرار المحكمة.

تاسعًا: أن تصرفات إسرائيل المخزية واشتراك أمريكا في إبادة الفلسطينيين هي التي مهدت لظهور عمدة نيويورك الجديد زُهران ممداني الذي قرر أن إسرائيل وأمريكا استخدمت الضرائب الأمريكية في إبادة الشعب الفلسطيني وتوعد ممداني نتنياهو بالقبض عليه إذا جاء لنيويورك وهذا أكبر تحدٍ لترامب. فتصرفات ترامب الصبيانية وضيق العالم الخارجي بها تسهم في زوال إسرائيل.

والخلاصة.. أن المقاومة سوف تبقى وإسرائيل سوف تزول وفي هذه الحالة تؤكد الشعوب العربية والإسلامية هويتها ضد الهوية الصهيونية.

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z