فنزويلا في مرمى الهيمنة الاستعمارية

 

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

ما جرى في فنزويلا من تطورات خطيرة وتصريحات أمريكية غير مسبوقة وعلى لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يُعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا جديدًا حول طبيعة النظام الدولي القائم اليوم، وحدود القوة، ومعنى السيادة، ومن يملك حق تقرير مصير الشعوب؛ فحين تصبح دولة واحدة قادرة على تحريك قواتها، وفرض إرادتها، وتهديد أو إسقاط أو اعتقال- بالأحرى اختطاف- قادة دول أخرى خارج أي إطار قانوني دولي واضح، فإننا لا نكون أمام نظام عالمي، بل أمام واقع أقرب إلى شريعة الغاب؛ حيث الغلبة للأقوى لا للأعدل.

القضية الفنزويلية حلقة في سلسلة طويلة من التدخلات الأمريكية التي طالت دولًا رفضت الخضوع للهيمنة السياسية والاقتصادية لواشنطن؛ فمنذ سنوات، تتعرض فنزويلا لعقوبات خانقة، وضغوط سياسية، وحملات إعلامية، ومحاولات متكررة لعزلها دوليًا، وكل ذلك تحت عناوين براقة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وتهريب المخدرات، في حين أن الواقع يكشف أن جوهر الصراع هو الاستقلال في القرار السياسي، والتحرر من التبعية، والسيطرة على الموارد الوطنية بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.

إنَّ أخطر ما يُتداول بشأن فنزويلا ليس فقط الحدث نفسه؛ بل المنطق الذي يحكمه. منطق يعتبر أن الولايات المتحدة مُخوَّلة بتحديد من هو شرعي ومن هو غير شرعي، من يحكم ومن يُطاح به، من يُعاقب ومن يُكافأ. هذا المنطق ينسف الأسس التي قام عليها القانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ويحوّل المؤسسات الدولية إلى هياكل شكلية، تُستدعى حين تخدم مصالح القوى الكبرى، وتُهمَّش حين تُعيقها.

العدوان لا يبدأ دائمًا بالدبابات والطائرات؛ بل يبدأ بالعقوبات، والحصار، وتجفيف الموارد، وخلق الأزمات الداخلية، ثم تقديم هذه الأزمات بوصفها دليلًا على فشل النظام المستهدف. وعندما تُدفع الشعوب إلى حافة الانهيار، يُقال إن التدخل أصبح ضرورة إنسانية. هكذا تُصنع الذرائع، ويُعاد إنتاج الاستعمار بلغة معاصرة، أقل فظاظة في الخطاب، لكنها لا تقل وحشية وهمجية في النتائج.

وفي السياق الفنزويلي، تبدو الصورة أكثر وضوحًا؛ دولة تمتلك احتياطات ضخمة من النفط، وتتبنى خطابًا سياديًا مستقلًا، وتنسج علاقات خارج الفُلك الأمريكي، تصبح تلقائيًا هدفًا مشروعًا. لا يهم شكل النظام بقدر ما يهم موقعه من منظومة الهيمنة. فكم من أنظمة استبدادية في العالم تحظى بالحماية والدعم الأمريكي ما دامت منضبطة ضمن الخط السياسي المطلوب؟

إنَّ السكوت على ما يحدث في فنزويلا، أو تبريره، لا يعني التخلي عن هذا البلد فقط؛ بل يعني فتح الباب أمام تعميم هذا النموذج. اليوم فنزويلا، وغدًا أي دولة أخرى تجرؤ على قول لا، ولم يعد أحد في هذا العالم بمنأى عن ممارسة مثل هذا النهج العدواني الوحشي عليه. وهذا ما يجعل القضية أبعد من حدود الجغرافيا، وأعمق من الخلافات السياسية؛ إنها قضية مبدأ تتعلق بحق الشعوب في اختيار طريقها، وبحق الدول في أن تعيش دون تهديد دائم بالقوة.

العالم الذي يُدار بهذه الطريقة عالم غير آمنٍ، حتى لحلفاء القوة المهيمنة نفسها؛ لأن منطق القوة حين يطلق بلا ضوابط لا يعرف حدودًا، ولا يعترف بولاءات دائمة. والتاريخ مليء بالشواهد على أن الإمبراطوريات التي اعتقدت أنها قادرة على فرض إرادتها إلى الأبد، سقطت حين تحوّل طغيانها إلى عبء أخلاقي وسياسي لا يمكن تبريره.

إنَّ ما تحتاجه الإنسانية اليوم ليس شُرطي العالم، فذلك الزمن قد ولّى ولا أحد بحاجة إلى إعادة إنتاجه؛ بل نحتاج نظامًا دوليًا أكثر توازنًا، يُحتكم فيه إلى القانون لا إلى السلاح، وإلى الحوار لا إلى الإكراه. وما لم يُواجَه هذا النهج العدواني برفض واضح من الشعوب والدول، فإن الفوضى ستتسع، وسيصبح الاستقرار مجرد شعار فارغ يرفع عند الحاجة ثم يدهس عند أول تعارض مع المصالح.

فنزويلا اليوم تعكس خللًا عميقًا في بنية العالم المعاصر.. خللٌ لن تُصلحه القوة؛ بل ستزيده اتساعًا، إلى أن يدفع الجميع ثمن الصمت عنه!

الأكثر قراءة

z