عائض الأحمد
كنتُ أظنّ، كما يفعل الأسوياء حين يناجون أفكارهم ويجلسون إلى أنفسهم يتجاذبون أطراف الحديث، أنّني أولويةٌ قصوى.
ثم أدركتُ أنّني فعلًا «قصوى» بلا أولوية.
كنتُ أضع نفسي هامًّا ومهمًّا، وفي الصفِّ الأوّل، ثم اكتشفتُ متأخّرًا أنّني شيءٌ كبقيّةِ الأشياء.
يقولون: إن كان بلاؤك فيما تُحبّ، فأعانك الله على ما ستجده من ألمٍ وحسرة.
ففيما مضى، كان العتب يغسل الأنفس ويطهّرها ممّا لحق بها، أمّا اليوم، فكأنّه جدارٌ انقضَّ، لا يُقام من جديد.
فتصمت، كي لا يزيد تصدّعه، فتخسر ما بنيته حبًّا وعشقًا، كنتَ تراه أقصى أحلامك، ثم عدتَ وحيدًا تَنشُدُ خليلك: أين أنت ممّا مضى؟
وحينها همستْ لي الحياة: لا ترفع سقفك عاليًا، فكلُّ علوٍّ مؤقّت، وكلُّ أولويّةٍ تأتي بعدها أخرى. عندها فهمتُ أنّ البحث عن مكانٍ في القوائم لا يمنح وجودًا، وأنّ الوجود لا يحتاج ترتيبًا، بل يقينًا.
فالنفسُ حين تظنُّ أنّها المركز، تُقصي ذاتها عن البساطة التي تمنح الحياةَ قيمتَها الحقيقية.
كُنّا نشدُّ رحالنا لساعةٍ من نهارٍ، فإذا بنا نغفو- تجاهلًا- ونحن أقربُ من حبل الوريد. كانت الأسفارُ تأخذنا، أينما حلّ بنا المطاف، يدًا بيد… فأين نحن اليوم؟
ثم جاء زمنٌ لم يعد فيه اللقاءُ يحمل الشغف ذاته، ولا الوجوه التي نعرفها تُشبه ما كانت عليه.
لم يعد يُقيم وزنًا للقاء، فقد صار الغيابُ عادةً، والصمتُ لغةً، والبعدُ راحةً يختارها عن طيبِ خاطرٍ.
وأنا… ما زلتُ أفتّش في بقايا الأمس عن دفءٍ يشبه ما كان.
صمتي يبتلع ذاتي، ويخنق عبرتي، ينهض ويقع، يدمع في الخفاء ويمسحها في العلن بأطرافِ بقاياه.
يُظهر قوّته، ويؤثر أن يغلبه تسامحُ الأنقياء، علّه يغفر عثرته، ويأخذه بعيدًا عن ساعاتِ انتظارٍ
لن تعود كما كانت في أيّامٍ مضت.
وما بين الصمت والحنين، أدركتُ أن بعضًا ممّا كان لا يموت؛ بل تبقى ذكراه حيّةً فينا، تُوقظ القلب كلّما أوشك على النسيان، أو خذلته صَفاقةُ إنسانٍ، أو جرّدته الحياةُ من أبسط أحلامه،
وجرى الوقتُ غيرَ آبهٍ بما كان.
ربما لم أعد أولوية… لكنّي أحاول أن أكون أولويتي أنا.
لها: كل لقاءٍ كان، مهما صغر، له أثرٌ يتردد فينا طويلًا؛ فلا تهملي قيمته، ولا تُحجمي فضله على قلوبنا.
شيء من ذاته: الوحدةُ والغيابُ علّماني أنّ وجودنا ليس في ترتيب الآخرين لنا، بل في يقيننا بما نحن عليه.
نقد: حين نعتبر أنفسنا مركز العالم، نغفل عن بساطة الحياة التي تمنح كل لحظةٍ قيمتَها، ونسكب ألمنا على تفاصيلَ كان يمكن تجاوزها بصمتٍ وهدوء.
