د. إبراهيم بن سالم السيابي
رحل… ودّعته، وكان ودي لو يودّعني، صفوَ الودادِ، وإنّي لا أودّعه.
في حضرة الغياب، لا يكون الفقدُ كلمةً تُقال، بل فراغًا يتمدّد في الروح. قال وداعه، وانطفأ حضوره من حولي… وبقي أثره يضيء داخلي.
مضى كمن يطفئ الضوء الذي كان يملأ زوايا قلبي، ومضى وهو يعرف تمامًا أن روحي كانت معلّقة به، وأن وجوده لم يكن عابرًا، بل وطنًا صغيرًا أسكنه كلما ضاقت بي الدنيا.
رحل.. وترك بابًا مفتوحًا للوجع، كأن الفقد لم يكن لحظة، بل موجة هزّت أعماقًا كنت أظنّها ثابتة.
رحل.. ولم يكن غيابه فعلًا مفاجئًا، بل انسحابًا بطيئًا يشبه انطفاء شمعة لا يريد صاحبها أن يشهد اكتمال انطفائها. تركني أراقب آخر خيط ضوء كان بيننا وهو يختفي بصمت، صمتٍ أثقل من أي تفسير.
ومع ذلك، ما زلت أتلمّس الطريق الذي سار فيه، كأن خطاه تركت أثرًا لا يُمحى، وكأن الهواء نفسه احتفظ بشيءٍ منه.. شيءٍ لا يُرى، لكنه يُشعر، ويعود كلما أغمضتُ عيني.
رحل.. وكنت أظنّ أن التعلّق يحمي من السقوط، وأن القلب حين يخشى الفقد يتمسّك أكثر، ويقاتل أكثر. لكنني اكتشفت أن بعض الرحيل لا يهاب التعلّق، ولا ينتظر دمعة، ولا يتردّد أمام قلب يذوب شوقًا.
اكتشفت أن الرحيل، حين يقرّر، يأتي بلا مقدمات، بلا تبرير، وبلا يدٍ تُربّت على كتفك لتخفّف عن وجعك.
رحل.. فوجدتني أبحث عنه في التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة؛ في أشياء كان يمرّ بها وكأنها لا تعني شيئًا، لكنها اليوم تعني كل شيء. أبحث عنه في صوته العالق بالذاكرة، في ضحكته التي كانت تطفو على قلبي كنسمة، في خطواته التي حفظتها دون وعي. كل ما حولي صار يهمس باسمه، حتى الأشياء الصامتة بدت كأنها كانت تشاركني حبه دون أن أدري.
رحل.. وترك لي ذاكرة أثقل من أن تُحتمل، وأجمل من أن تُنسى. ذاكرة تؤلم، لكنها تُبقيني واقفًا، وتجعلني أبتسم أحيانًا وسط حزني؛ لا لشيء، إلا لأنه مرّ من هنا ذات يوم، وترك أثرًا لا يبهت مهما طال الزمن.
وما زالت كلماته الأخيرة تصنع في داخلي صدى طويلًا، صدى يلحّ عليّ بأسئلة لا تهدأ:
لماذا الرحيل؟
ولماذا الآن؟
ولماذا بهذه الطريقة التي لم تمنحني فرصة لاحتضان اللحظة الأخيرة كما أردت؟
رحل.. ولم يأخذ معه إلا ما يخصّه. أما ما يخصّني فبقي هنا: الشوق، والأسئلة، وتلك المساحة التي كانت يومًا عامرة بالحديث والضحك والطمأنينة، ثم صارت ممتلئة بالفراغ.
وبقيت أحلامي الصغيرة التي خبأتها له، خوفًا أن تضيع قبل أن يراها.
رحل.. لكن روحه لم تغادرني. ما زلتُ أسمعه في صمتي، أراه في خيالي، وأشعر به قريبًا بطريقة لا تُفسَّر؛ كأنه اختار أن يغيب بجسده فقط، ويبقى جزءًا مني. وفي سكون الليل، أحسّ حضوره أقرب، كأن قلبه يهمس لقلبـي.
رحل.. واكتشفت أن الغياب لا يُطفئ الحب، بل يتركه أعمق مما كان. علّمني أن الغياب قد يجعل حضوره أوضح، وأصدق، وأقرب.
ومع ذلك، لا أستطيع أن أتحدث عنه، ولا أن أعاتبه في قلبي كما يستحق؛ فقلبي لا يعرف إلا الشوق، ولا يجيد إلا الاحتفاظ به، كأن العودة ما زالت احتمالًا قائمًا.
رحل.. وها أنا أكتب له.
أستعيده حرفًا حرفًا، ونَفَسًا نَفَسًا، كأنني أحاول أن أُبقيه حيًا بين السطور بعدما غاب عن الواقع.
أكتب لأن الكتابة هي الخيط الأخير الذي يربطني به، كلما ظننت أنني بدأت أنساه.
رحل.. لكنني لم أودّعه. لم أستطع.
كيف أودّع من ترك في قلبي أثرًا لا يشبه أحدًا؟
كيف أودّع من صار جزءًا من طريقتي في الفرح، ومن طريقتي في التعب؟
كيف أودّع من يسكنني، كأن قلبي حضنٌ احتواه منذ زمن… ولا يزال؟
فكيف أودّعه؟ وهل تودّع الروحُ الجسدَ يومًا؟
رحل.. لكنني ما زلت هنا، أراه في الذكرى، أسمعه في الصمت، وأحبه…
كأن الرحيل لم يكن يومًا جزءًا من الحكاية.
