ناصر بن حمد العبري
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تبرز المبادرات الفكرية والسياسية التي تسعى إلى إعادة صياغة الخطاب الدولي، وتقديم رؤى جديدة أكثر شمولًا وعدالة.
ومن بين هذه المبادرات، تأتي المبادرة الرئاسية الصينية بشأن "الحضارة العالمية" لتشكل إضافة نوعية ومتميزة. وفي هذا السياق، نود أن نُعبِّر عن التقدير العميق للمبادرة الرئاسية الصينية بشأن الحضارة العالمية، التي تمثل رؤية حكيمة ومتوازنة تساهم في صياغة مستقبل مشترك للبشرية. إنها دعوة صريحة إلى تعزيز قيم التسامح، والاعتدال، والانفتاح على الآخر، وهي قيم تتوافق بدرجة عالية مع المبادئ العربية الإسلامية التي شكلت عبر التاريخ أساسًا للتعايش السلمي والتفاعل الحضاري وخلال قمة شنغهاي، أعلن فخامة الرئيس الصيني شي جين بينغ عن مبادرة "الحوكمة العالمية"، التي تهدف إلى معالجة أوجه القصور في النظام العالمي القائم، ومن أبرزها: نقص تمثيل دول الجنوب العالمي: وهي الدول التي لطالما عانت من التهميش في صنع القرار الدولي، وتآكل سلطة القانون الدولي وتراجع الالتزام بالقرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، والحاجة إلى زيادة الفعالية: لمواجهة التحديات العالمية مثل تغير المناخ، الفقر، والأزمات الصحية.
وتسعى المبادرة إلى إصلاح آليات الحوكمة العالمية وتفعيل النظام الدولي متعدد الأطراف، استنادًا إلى المبادئ والمرجعيات الدولية الواردة في ميثاق الأمم المتحدة.
والدول العربية، بلا شك، تُعد جزءًا أصيلًا من الجنوب العالمي، وتواجه تحديات مشابهة في ظل النظام الدولي الحالي. ومن هذا المنطلق، فإن مبادرة الحوكمة العالمية" تحاكي شواغل الدول العربية، وتفتح المجال أمامها للمشاركة الفاعلة في صياغة نظام عالمي أكثر عدالة وتوازنًا.
المبادرة الصينية تستحق التقدير والاهتمام، لما تحمله من إمكانات واعدة في بناء السلام والتنمية العالميين، وتعزيز التعاون الدولي على أسس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وهذه المبادرة المُهمة يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار، وأن تُمنح ما تستحقه من الدراسة والتحليل، خاصة في الأوساط الأكاديمية والدبلوماسية العربية.
ولا شك أن التفاعل الإيجابي معها قد يفتح آفاقًا جديدة للتعاون مع الصين، ويعزز من مكانة الدول العربية في النظام العالمي الجديد.
وأخيرًا.. إنَّ المبادرة الصينية بشأن الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية، تمثلان خطوات جادة نحو عالم أكثر توازنًا وإنصافًا، وهي دعوة لكل الدول، خاصة تلك التي تنتمي إلى الجنوب العالمي، للانخراط في حوار حضاري بنّاء، يسهم في بناء مستقبل مشترك للبشرية، قائم على القيم الإنسانية والمصالح المتبادلة.
