قراءة في الخطاب السامي في نوفمبر 2020

النهضة المتجددة.. عهد جديد من الشراكة بين الدولة والمجتمع وترسيخ قيم المواطنة الفاعلة

 

 

 

 

◄ إطلاق مصطلح "النهضة المُتجددة" مثَّل الانطلاقة الجديدة في مسيرة التحديث والتطوير

◄ وضع مرتكزات جديدة تعزز من جهود الحوكمة والمراقبة والتطوير

◄ التأكيد على العلاقة التشاركية بين الحكومة والمواطنين

◄ التشديد على أهمية الحفاظ على الهوية الوطنية وتوظيف التاريخ المجيد

 

الرؤية- ناصر أبوعون

مثَّل الخطاب السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- يوم الأربعاء الثامن عشر من نوفمبر 2020، آليّةً وركيزةً من أعلى سلطة في الدولة، شارك من خلالها المواطنين مجموعة من الحقائق الاجتماعية والسياسية، وأعاد تعريف وشرح وتبسيط مصطلحات المواطنة، والتنمية والاستقرار والنجاح، ثم سلّط الضوء على مجموعة من الحقائق يمكن الإسهاب والتفصيل فيها على النحو التالي:

أولًا: مشروع نهضوي يطور ذاته ويُنتج أدواته

(1) إعادة إنتاج مصطلح "النهضة المباركة"، ولكن في ثوب جديد يعتمد على التحديث والتطوير والتجدد، وتواصل مشروعيّة الحكم دونما انقطاع بين سائر الأجيال المتتالية. ومن هنا تمّ استحداث مصطلح "النهضة المتجددة" ومنه ستكون الانطلاقة الجديدة نحو تثبيت شرعية حُكم سلطانيّ يرتكز على التعاون بين مؤسسة الحُكم والمواطنين، وتضافر الجهود والتشاركية في إنتاج مشروع نهضوي حداثي يطوّر ذاته ويُنتج أدواته.

(2) أكد الخطاب السامي على أن مشروعيّة مؤسسة الحكم ترتكز إلى عملية تواصل تاريخيّ منذ عهد المؤسس الأول للدولة، وأنّ جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- أبقاه الله- عروة وثقى في سلسلة آل سعيد وامتداد طبيعي للسلطان الراحل قابوس بن سعيد منهجًا وفلسفة واقتداءً وإرثًا طبيعيًا. ومن ثَمَّ ضمَّن خطابه عبارات ذات وقع وأثر في نفوس المواطنين؛ مثل: "تمَكَّنتْ عُمانُ بِحِكْمَةِ سُلطانِها الرَّاحِلُ".

(3) جاء مفتتح الخطاب مرتكزًا على عبارات مقتبسة من القرآن الكريم وهو المصدر الأعلى للحقيقة، ولها صدى عالٍ في نفوس المواطنين؛ فبدأ جلالته بالبسملة والحمد والثناء على الله "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، له الحمد وله الشكر، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على خير خلقه، محمد النبي الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين".

ثانيًا: رؤية سياسية جديدة في إدارة الدولة

رغم أنّ ظلال الأزمات العالمية (الصحية والمالية) ألقت بظلالها على حياة الناس، وتراجعت مشاركة المواطنين في عمان وسائر البلدان في مناشط الحياة العامة قسرًا؛ إلا أنّ حكومة صاحب الجلالة أخذت زمام المبادرة وأدارت أشد الأزمات "الأزمة الاقتصادية، وتراجع أسعار النفط، وأزمة كورونا" برؤية معرفية وحنْكة سياسية. وجاء الخطاب السامي في إطار تقني ومعرفي وشارحًا ومنطلقًا من هدفين استراتيجيين: (1) إدارة أزمة كورونا وتداعياتها: ومن خلاله أكد على أنّ دور الدولة يعمل على أربعة محاور متوازية؛ هي: (التخطيط العلميّ، وتسخير الإمكانات ومتابعة النتائج، واستيعاب وتدارك التأثيرات) بينما كان على المواطنين والمقيمين الالتزم بالإجراءات الحكومية، والقيام بالأدوار المنوطة بهم للخروج من أزمة كورونا وتداعياتها المالية. (2) التنظيم الإداريّ للدولة: ومن خلاله طرح جلاته – أبقاه الله – رؤية جديدة وتنظيمية في إدارة الدولة ترتكز إلى (الحوكمة) و(المراقبة) و(التطوير)، والتي تُعرفى بتقنيات الدولة المعرفية في إدارة حياة المواطنين. وأشار إليها جلالته في معرض كلامه من خلال أربع مصطلحات كانت مثار حديث الناس لفترات طويلة؛ وهي: (اللامركزية في إدارة الولايات والمحافظات)، و(مراجعة التشريعات والقوانين لتواكب متغيرات العصر)، و(تطوير الجهاز الإداري للدولة)، واستحداث أدوات جديدة للمحاسبة).

ثالثًا: السلطة التنظيمية والمواطن التطوعي

لقد جاء الخطاب السامي حداثويا لأبعد الحدود، ودارسًا لطبيعة الشعب العمانيّ؛ فقد أكد جلالته – أبقاه الله – على فكرة "السلطة التنظيمية" التي تدير شؤون المواطنين والمقيمين وتُعيد تشكيل سلوكهم في مواجهة الأزمات الطارئة وترتكز على محورين: (أ) رقابة اجتماعية متفهِّمة وغير قاهرة وإبراز أهمية المحاسبة والشفافية. (ب) تشجيع نموذج المواطن الملتزم والذات المنضبطة سلوكيا في تعاملها مع سائر الأزمات "كورونا نموذجًا"، حيث يتحوّل لاحقا إلى مواطن تطوعيّ ومساند للدولة في تحقيق أهدافها؛ يشارك في: تحقيق أهداف رؤية عمان 2040، ويلتزم بالإجراءات الوقائية في مواجهة كورونا، ويتفهّم، ويُقدّر إجراءات التقشف، ويساند الدولة في مشاريعها التنموية.

رابعًا: مواطنون لا رعايا وشركاء مصير

لقد أكد الخطاب السامي ضِمنًا على مصطلح "مواطنين لا رعايا" للتأكيد على التشاركية بين الحكومة والمواطنين كمنهج، لذا أكد الخطاب في مفرداته على مصطلحات "الدعم والواجب والحرص والسلامة" ومن ثَمّ نجد بِنية الخطاب أكدت على أنّ سُلطة الحكم اجتماعية لا رعوية بالدرجة الأولى؛ وتجلى ذلك في مجموعة من العبارات نذكر منها: "الدولة تؤدي واجباتها الأساسية"، و"رعايتنا ودعمنا على الدوام"، و"سنحرص على توجيه جزء من العوائد للحماية الاجتماعية"، و"الحفاظ على صحة وسلامة الجميع".

خامسا: استحضار الماضي والهويّة العُمانية

ولأننا نعيش في عالم متسارع ومتغيّر، وتتبدّل فيه الهُوِّيات، بل تتحلّل وتذوب؛ فقد جاء الخطاب السامي داعيًّا إلى الحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة المانعة من الانزلاق في الشخصية الكونية التي تشتغل عليها القوى الكبرى وتعتمدها كأداة سيطرة؛ وفي سبيل ذلك انتهج (1) لغة عاطفية في بعض مقاطع الخطاب ووظّف بعض العبارات العاطفية المؤثرة في وجدان المواطن العماني من أجل تحقيق هدفين: الأول: استحضار  الهويّة العُمانية الجامعة، لإدماج المواطنين في "كيان واحد" يجسّد وحدة الأمة العمانية؛ لذا كرر عبارات من نوع "المواطنون الأعزاء"، و"أبناء عمان الأوفياء"، و"الوطن العزيز". (2) استحضار الماضي، ومن خلاله يتم استدعاء الذاكرة العُمانية وهذه إحدى استراتيجيات الخطاب السياسي، وتوظيف التاريخ المجيد للأمة العمانية في دعم مشروع النهضة المتجددة، والتأكيد على مشروعية الحُكم الجديد؛ لذلك تردد على لسان جلالة السلطان هيثم المعظم عبارات تشير إلى "السلطان قابوس الراحل"، "وتراث عُمان"، و"نهضة عُمان".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z