لبنان بين نار الجبهة الجنوبية وبرودة الدبلوماسية

 

 

هل تكفي السياسة الخارجية لحماية السيادة؟

 

جان يعقوب جبور

في كل مرة تهتز فيها الحدود الجنوبية، يجد لبنان نفسه مُجددًا أمام سؤال مركزي: ماذا تملك الدولة من أدوات فعلية لردّ الاعتداءات الإسرائيلية، وما حدود قدرتها على تحويل موقفها السياسي إلى تأثير دبلوماسي ملموس؟ فالمُفارقة واضحة: دولة محاصرة بالأزمات، محكومة بالتوازنات، ومطوّقة بجغرافيا مشتعلة، مطالبة في الوقت نفسه بالثبات على مبدأ السيادة في وجه قوة عسكرية تفوقها بأضعاف.

منذ صدور القرار 1701، حاول لبنان أن يبني مُقاربته الأمنية والدبلوماسية على "معادلة الاستقرار الحذر": لا سلام ولا حرب؛ بل إدارة يومية لخروقات جوية مُتواصلة وقصف متكرر يأتي في موجات مُتباعدة. ورغم محدودية الخيارات، تتمسك الدبلوماسية اللبنانية بخط ثابت يقوم على الإدانة، رفع الشكاوى، والتذكير بواجب المجتمع الدولي في ضبط السلوك الإسرائيلي. لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أنَّ هذا المسار، على أهميته الرمزية والقانونية، لم ينجح يومًا في وقف الاعتداءات ولا في الحد منها. ما يحصل هو تسجيل موقف لا أكثر.

ينطلق الموقف اللبناني الرسمي من مبدأ راسخ: الدفاع عن السيادة حق طبيعي. لكن هذا الحق يتحوّل في الواقع إلى مساحة رمادية بين الدولة والفاعلين غير الحكوميين، ما يجعل السياسة الخارجية اللبنانية مقيدة بواقع داخلي معقّد. فبين الرغبة الرسمية في تجنّب حرب واسعة، وبين واقع الميدان الذي تتحكم به ديناميات إقليمية، تصبح الدبلوماسية اللبنانية أشبه بمحاولة الإمساك بالماء باليد. ومع ذلك، لا يمكن القول إنَّ الموقف اللبناني بلا تأثير. فالدولة، رغم أزماتها، تستثمر في شرعيتها الدولية، وتنجح في حشد مواقف داعمة داخل مجلس الأمن، وتفرض على المجتمع الدولي تسجيل الخرق الإسرائيلي كحدث غير عابر. هذا التراكم، وإن بدا بطيئًا وغير كافٍ، يشكّل عنصرًا من عناصر حماية لبنان في لعبة الأمم الطويلة.

إلّا أن السؤال الأهم يبقى: هل تكفي الدبلوماسية وحدها؟

الأرجح لا؛ فحماية السيادة في ظل اختلال ميزان القوى تتطلّب منظورًا أشمل: اتفاقًا وطنيًا حول استراتيجية دفاعية، ورؤية موحدة للجبهة الجنوبية، وقرارًا سياسيًا يتعامل مع الاعتداءات لا كحدث ميداني؛ بل كاختبار لوجود الدولة نفسه. لبنان اليوم ليس في موقع يسمح له بترف المغامرة، ولا يستطيع أيضًا الاستمرار في سياسة ردّ الفعل. المطلوب رؤية تبني على القانون الدولي من دون أن تنسحب من الواقع الإقليمي، وتتمسّك بالاستقرار من دون أن تقايضه بالكرامة الوطنية.

في النهاية، تبقى معادلة لبنان صعبة: دولة تحاول أن تحمي حدودها بالدبلوماسية، فيما تتعامل إسرائيل معها بمنطق القوة. وبين خطاب الشرعية وواقع السلاح، يبقى مستقبل السيادة اللبنانية رهن قرار لم يُتخَذ بعد: كيف يُعاد بناء الدولة لتكون فعلًا الطرف الذي يُقرّر الحرب والسلم؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z