هل تمثلنا المجالس المنتخبة؟!

 

 

 

أحمد الفقيه العجيلي

نعايش اليوم في السلطنة حالة من النقاش المتصاعد حول دور المجالس المنتخبة، ونتابع بوضوح حجم الفجوة بين تطلعات النَّاس وبين ما يظهر من حضور هذه المجالس في القضايا اليومية.

ومع تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: لماذا لا نرى هذه المجالس في صدارة الملفات التي تشغل المواطن؟ ولماذا يغيب صوتها في لحظات تحتاج فيها البلاد إلى مواقف واضحة ورقابة جادة؟

عندما نتأمل واقع المواطن اليوم، نجد ملفات متراكمة تثقل كاهله، بدءًا بملف الباحثين عن عمل والمسرّحين، وهو الملف الأكثر حساسية لأنه يمسّ حلم الاستقرار ومستقبل الشباب مباشرة، مرورًا بارتفاع تكاليف المعيشة وما فرضته من ضغوط غير مسبوقة على الأسر، وانتهاءً بالقرارات الاجتماعية والثقافية التي تمسّ قيم المجتمع وتثير نقاشًا واسعًا حول اتجاهات التحوّل في الهوية والسلوك.

وإلى جانب ذلك، هناك أحداث مجتمعية تركت أثرًا كبيرًا في الرأي العام، سواء كانت حوادث مؤلمة أو قرارات مفاجئة، فضلًا عن الجدل الذي رافق القانون الجديد الخاص بالعمالة المنزلية لما له من تأثير مباشر على الأسر.

ومع كل هذه الملفات، يتكرر السؤال الشعبي: أين مجلس الشورى؟ وأين المجالس البلدية؟ فالمواطن ينتظر صوتًا واضحًا يعبر عنه، وموقفًا يعكس حجم ما يشعر به، لكن الحضور الفعلي لهذه المجالس يبدو أقل من المتوقع.

وما يزيد الإحباط أن المجلس- في كثير من الأحيان- لا يتحرك لمعالجة القضايا إلّا بعد وقوع حادثة أو مأساة، فيكتفي بإصدار بيانات عامة أو تصريحات لتهدئة الرأي العام، ثم يعود كل شيء إلى الهدوء دون خطوات عملية واضحة أو معالجات جذرية.

ومع مرور الوقت، لا تبدو المشكلة في تأخر المواقف فحسب؛ بل في أن العديد من الأحداث تمرّ علينا كـ"زوبعة في فنجان"؛ تضجّ المنصات لساعات، ثم يخفت كل شيء وكأن المأساة لم تكن. أصبحنا نعيش في زمن ردّات الفعل القصيرة، نغضب بسرعة ونعبّر بحماسة، ثم نترك القضايا تنطفئ دون أثر. وهذه السلوكيات لا تصنع وعيًا ولا تمنع تكرار الأخطاء؛ بل تجعل النقاش العام هشًا، وتمنح المجالس مساحة لتمرير الوقت بدل اتخاذ مواقف راسخة تعالج جذور المشكلة.

ومع ذلك، لا يمكن إعفاء الناخب نفسه من جزء من المسؤولية؛ فاختيار من يمثل المجتمع ليس مهمة اجتماعية مجاملة، ولا قرارًا محكومًا بروابط القرابة؛ بل هو اختيار يصنع مسار السنوات المقبلة.

ومتى غابت معايير الكفاءة والخبرة والقدرة على مساءلة الجهات التنفيذية، أصبح طبيعيًا أن نرى مجالس ضعيفة في أدائها، عاجزة عن بناء موقف صلب عند كل منعطف.

قد يكون جزء من المشكلة مرتبطًا بالصلاحيات، فبعض الأدوات الرقابية ما زالت محدودة، وحرية طرح الملفات الحساسة تخضع لضوابط عديدة تقلل من قدرة المجلس على ممارسة دوره الحقيقي في المساءلة والتأثير في السياسات العامة.

لكنَّ جزءًا آخر يرتبط بالأداء نفسه؛ إذ يلاحظ كثيرون أن بعض الأعضاء يختفي صوتهم بعد الانتخابات، إمّا لانشغالهم بأولويات شخصية، أو لضعف خبرتهم في العمل البرلماني، أو لحسابات اجتماعية وانتخابية تجعلهم يتجنبون طرح الأسئلة الجادة.

وعندما ننظر بعُمق، نكتشف أن الخلل مركّب، يتداخل فيه ضعف استقلالية بعض الأعضاء، وغياب التنسيق مع المجتمع المدني والإعلام، وقلة الشفافية في تقييم الأداء، وانشغال البعض بقضايا شكلية أو شعبوية لا تغير شيئًا في الواقع، إضافةً إلى نقص الخبرات المتخصصة في صياغة التشريعات والرقابة على الجهات التنفيذية. والمفارقة أن جزءًا من هذا الضعف يمكن تجاوزه بسهولة لو كانت هناك تقارير أداء دورية تُنشر للرأي العام، تُظهر ما تم القيام به، وما لم يُنجز، وما هي المواقف التي تبناها كل عضو.

الشفافية ليست عبئًا على المجلس؛ بل حماية له من سوء الظن، وحماية للمجتمع من تكرار الأخطاء.

ولا يمكن تجاهل أن المجالس البلدية- رغم قربها من تفاصيل حياة الناس اليومية- تبدو هي الأخرى بعيدة عن مراكز النقاش، ونادرًا ما تصدر عنها مواقف واضحة، مع أنها الأكثر اتصالًا بالخدمات والبيئة والتنظيم المحلي. وهذا الغياب يزيد الفجوة بين المواطن وبين المؤسسات التي يُفترض أن تمثله على مستوى المحافظات.

وفي الوقت الذي تنتظر فيه المحافظات أدوارًا أكبر في التخطيط الاقتصادي والخدمات الأساسية، تبدو المجالس البلدية أسيرة حدود ضيقة من الصلاحيات لا تسمح لها بأن تكون شريكًا فاعلًا في التنمية.

ورغم كل ذلك، فإن إصلاح دور المجالس المنتخبة ليس أمرًا مستحيلًا؛ بل يحتاج إلى إرادة واضحة تعيد النظر في الأنظمة والقوانين، وتمنح صلاحيات رقابية وتشريعية فعّالة، وتؤهل الأعضاء تأهيلًا حقيقيًا في العمل البرلماني، وتُعزّز الشفافية عبر نشر تقارير دورية عن الأداء، وتفعّل دور المجتمع المدني والإعلام في التقييم والمتابعة الموضوعية.

وتجارب الدول التي نجحت مجالسها لم تبنِ نجاحها على الصلاحيات وحدها، بل على جرأة أعضائها، واستقلاليتهم، وتعاونهم مع المجتمع، وقدرتهم على تحويل النقاش العام إلى مبادرات ومشاريع، لا إلى بيانات تهدئة.

ولا يُطلب من هذه المجالس أن تحل كل الأزمات، لكن أقل ما ينتظره المجتمع هو أن تعبر عن همومه وتضع قضاياه على طاولة النقاش العام، وأن تمتلك الجرأة والوضوح في المواقف بعيدًا عن ردود الفعل المتأخرة التي لا تغير من الواقع شيئًا.

ونجاح المجالس ليس في عدد اجتماعاتها؛ بل في صدق مواقفها، وقوة دفاعها عن الناس الذين تمثلهم. والمسؤولية كانت دائمًا أمانة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، وقال تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} (الصافات: 24). ومن تولّى تمثيل الناس فقد حمل أمانة ثقيلة، وسيُسأل يوم القيامة لا عن حضور الجلسات، بل عن ماذا قال؟ وماذا فعل؟

وما بين القول والفعل، يعرف الناس قيمة ممثلهم، وتُقاس حقيقة الأمانة التي حُمّلها.

ليس كافيًا أن تبذل قصارى جهدك

يجب أولًا أن تعرف فيما ستبذل جهدك

ثم تبذل قصارى جهدك!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z