الدخل الافتراضي.. بين نص القانون وصوت الواقع

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

في حياة الناس، ليست كل الأرقام مجرّد حسابات جامدة؛ فبعضها قادرٌ على أن يفتح باب أمل، أو أن يغلق نافذة أمان. وبين سطور التشريع، قد تختبئ أرقامٌ تحمل أثرًا أكبر مما يبدو، فتغيّر مصير أسرةٍ كاملة، إمّا نحو الاستقرار أو نحو العوز. ومن بين هذه الأرقام، يطلّ مصطلح «الدخل الافتراضي» في قانون الحماية الاجتماعية، ليطرح أسئلة عن مدى توافق النصوص القانونية مع واقع البيوت.

منظومة الحماية الاجتماعية ليست مجرد قوانين تُحفظ في الأدراج، أو أرقامٍ تُسجَّل في جداول مالية، بل هي يدٌ تمتد لتنتشل من تعثُّر، وملاذٌ آمنٌ لمن ضاقت به سبل الحياة. هي ترجمةٌ صادقةٌ لقيم التكافل التي تميّز هذا الوطن، وصوتٌ ينسجم مع أهداف رؤية "عُمان 2040" التي جعلت الإنسان محور التنمية، وجعلت العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص أساسًا للمستقبل.

ومن خلال ما تقدّمه من منافع ودعم، استطاعت هذه المنظومة أن تُخفف عن كاهل الكثير من الأسر عبءَ المعيشة، وأن تمنح الأمل للفئات الأكثر هشاشة، في انسجامٍ مع القيم الأصيلة التي يزخر بها المجتمع.

لكن، خلف هذه الصورة المشرقة، تقف تفاصيل قانونية قد تغيّر مصير أسرةٍ كاملة. ففي المادة (42) من قانون الحماية الاجتماعية، والمواد (57 و58 و59 و60) من لائحته التنفيذية، يبرز مصطلحان يبدوان، للوهلة الأولى، محاسبيين بحتين: «الدخل الافتراضي من الأصول والعقارات»، و«الدخل المكافئ للقدرة على العمل».

قد تبدو هذه المفاهيم مجرد أرقامٍ على الورق، لكنها في حياة الناس أوزانٌ ثقيلة؛ فالأرملة أو المطلقة التي تتقاضى منفعةً قدرها (80) ريالًا -أي أقل من الحد الأدنى المقرر للمنافع، البالغ (115) ريالًا- لا تُستكمل منحتها للوصول إلى هذا الحد، لأن اللائحة تفترض لها دخلًا مكافئًا للقدرة على العمل بمقدار 35 ريالًا، حتى وإن لم يدخل هذا المبلغ جيبها أبدًا. وبالمثل، قد يُحتسب دخلٌ افتراضي لمن يملك أرضًا جرداء أو عقارًا غير مؤجَّر، فيُقلَّص دعمه أو يُلغى.

تخيَّل أسرةً بلا دخلٍ فعلي، تعيش في منزلٍ غير مكتمل الجدران، أو على قطعة أرضٍ لا تدر شيئًا، أو تضم فردًا قادرًا على العمل لكنه يواجه بطالةً أو ظرفًا قاسيًا. على الورق، يُقال إنها مكتفية، لكن على الأرض قد يكون الفارق بين "افتراض" اللائحة وواقعهم اليومي هو الفارق بين طعامٍ على المائدة أو ليلةٍ أخرى من القلق والجوع.

وهنا، تفرض الأسئلة نفسها: على أي أساس وُضعت هذه القيم الافتراضية؟ هل جاءت بعد دراساتٍ ميدانية دقيقة تُلامس تفاصيل الحياة وتنوّع ظروف الأسر، أم أنها تقديراتٌ إدارية قد تُصيب أحيانًا وتغفل عن معاناة الكثيرين؟ وهل تراعي هذه الحسابات الفروق الفردية بين الناس، أم أنها أرقامٌ جامدة لا ترى إلا ما على الورق؟

لا خلاف على أن تنظيم الدعم ووضع معايير واضحة أمرٌ ضروري لضمان استدامة الموارد، لكن النجاح الحقيقي لأي منظومة حماية اجتماعية يُقاس بقدرتها على أن توازن بين الانضباط المالي والعدالة الإنسانية. فالقوانين العادلة لا تُقاس فقط بالميزانيات؛ بل بمدى قربها من قصص الناس، وحرصها على ألّا تسقط أيُّ أسرةٍ من شبكة الأمان.

إن مراجعة هذه المعايير، لتكون أقرب إلى نبض الواقع وأبعد عن الحسابات الجامدة، لن تُعزِّز فقط ثقة المجتمع بالمنظومة؛ بل ستجعلها أكثر قدرةً على تحقيق رسالتها النبيلة: أن تكون أمانًا حقيقيًا، لا يترك أحدًا خلفه.

وفي النهاية، يبقى السؤال الإنساني قبل أن يكون قانونيًا: أيُّهما أحقُّ بالدعم... الرقمُ في النصوص، أم القلبُ الذي يلهث خلف لقمة العيش؟ حين تقترب السياسة من الناس، وتسمع أنينهم قبل أن تعدَّ أرقامهم، يتحوّل القانون من نصٍّ جامدٍ إلى أداة رحمة، ويصبح الدعم رسالةَ طمأنينةٍ تصل إلى كل بيت، لتجعل الحماية الاجتماعية اسمًا على مسمّى.

ولعلّ أجمل ما يمكن أن نصل إليه، هو أن تتحوّل الأرقام من قيودٍ تحدّ الاستحقاق، إلى جسورٍ تمتدّ نحو البيوت، حاملةً الدفء والكرامة لكلّ من طرق باب الأمل.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة