الشائعات.. بين الدوافع المرضية والأثر الاجتماعي

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

كنتُ قد تحدثتُ في مقالي الماضي عن النقد السلبي وأثره على المجتمع، ودور وسائل التواصل الاجتماعي في ذلك، كما تحدثتُ عن النظريات التي تدفع الناس إلى التفكير السلبي وممارسة النقد السلبي بشكل مستمر، وأشرتُ إلى الأثر الذي يتركه هذا السلوك على الفرد والمجتمع، والدور الذي يجب أن تمارسه المؤسسات الاجتماعية للحد من هذه الظواهر التي باتت تغزو المجتمعات العربية خصوصًا بشكل كبير، إلى الدرجة التي أصبحت معها الشعوب العربية غير مؤمنة بفكرة التطور والنمو والقدرة على اللحاق بركب العالم المتقدم.

وخلال الأيام الماضية طفا على الساحة سلوكٌ لا يقل خطورةً عن النقد السلبي، وهو نشر الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا سلوك خطير جدًا؛ بل إنه ناقوس خطر يجب ألَّا يُترك ليمر مرور الكرام. فهذا السلوك يحتاج إلى التحليل النفسي والسلوكي الدقيق، لمعرفة الدوافع والأسباب وراءه، ومحاولة الوقوف على الأسباب الحقيقية التي تدفع البعض إلى انتهاجه. ولا بُد من احتواء هذا السلوك حتى لا يتحول إلى ظاهرة اجتماعية تعصف بقيم المجتمع ومبادئه، وتؤثر على منظومة المجتمع الأخلاقية، التي إن أصابها خللٌ ما، فإن أثره يمتد إلى نواحٍ أخرى مثل الأمن والاستقرار والثقة والمصداقية.

يرى كلٌّ من عالمي النفس "ألبرت" و"بوستمان" في نظريتهما حول أسباب لجوء الفرد والمجتمع إلى الشائعات -والمعروفة بنظرية الغموض والقلق أن الشائعة تنتشر عندما يجتمع كل من الغموض (عدم وضوح المعلومة) والأهمية (أهمية الموضوع للناس)؛ أي كلما كان الموضوع مهمًا وغامضًا، زاد احتمال انتشار الشائعة. ويرى المؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون أن الشائعات تنتشر بالعدوى بين الناس مثل الفيروس، وذلك بسبب التأثير العاطفي المتبادل بينهم والرغبة في الانتماء للجماعة. أما نظرية التحريف الثلاثي فقد أعطت وصفًا لكيفية تغيّر الشائعة عند تناقلها، وذلك من خلال ثلاث عمليات: أولًا: تبسيط الخبر وحذف بعض التفاصيل. ثانيًا: التركيز على إبراز شيء معيّن وتضخيمه. ثالثًا: التكيُّف بحيث تتوافق الرواية مع ميول وثقافة الشخص الناقل.

أما نظرية الاستخدامات والإشباعات، فيرى روادها أن الناس يتداولون الشائعات لأنهم يجدون فيها إشباعًا لحب الفضول، ووسيلة للتنفيس عن القلق، وأداة للتسلية والتواصل الاجتماعي. وهذا هو التفسير الأنسب والأغلب على الحالات التي نشاهدها يوميًا في وسائل التواصل الاجتماعي بشتى أنواعها؛ حيث إن رغبة الناس في الحصول على أكبر قدر من الاهتمام والمتابعة والإعجابات تدفع الكثير ممن يعيشون فراغًا داخليًا ويعانون من مشكلات نفسية وسلوكية غير ظاهرة إلى التنفيس عن هذه المشاعر من خلال نشر شائعات تلفت الانتباه وتساعدهم على إيجاد قيمة ومعنى لذواتهم.

إن الانغماس بشكل مبالغ فيه، والعيش داخل عالم وسائل التواصل الاجتماعي، له سلبيات كثيرة. والإدمان الذي يُصاب به عديد من الناس يعود سببه إلى بعض الاضطرابات النفسية المرتبطة بالشخصية؛ الأمر الذي يؤثر على مستوى الصحة النفسية لديهم؛ مما ينعكس على سلوكهم بشكل عام. فالميل إلى القيام بسلوكيات خاطئة مثل الكذب والافتراء والتزييف والمبالغة والتحريف، دون إدراك ووعي بنتائج هذه السلوكيات والآثار المترتبة عنها والتبعات التي قد يواجهها الفرد والمجتمع، هو نتيجة لمعاناة نفسية. وهناك علاقة وثيقة بين الشائعات والاضطرابات النفسية، سواء من جانب مَن يختلق أو ينشر الشائعة، أو من جانب مَن يتأثر بها.

يمكن توضيح هذه العلاقة من عدة زوايا؛ حيث إن بعض الأشخاص الذين يُعانون من القلق المفرط أو عدم الثقة بالنفس قد يميلون إلى نشر الشائعات لإشباع حاجتهم للشعور بالاهتمام أو التحكم في الآخرين. أما أولئك الذين يعانون من النرجسية أو العداء الاجتماعي، فإنهم يجدون في نشر الشائعة وسيلةً للفت الانتباه أو إيذاء الآخرين أو تعزيز نفوذهم. وفي أحيان معينة تكون الشائعة انعكاسًا لإسقاط مشاعر مكبوتة أو مشكلات داخلية على الآخرين يحاول الفرد التخلّص منها. وهذه هي الأسباب النفسية التي تؤدي إلى اختلاف المواقف وتزييف الحقائق ونشر الأخبار الكاذبة والتفاعل مع الشائعات. وقد صنّف علماء النفس مطلقي ومروّجي الشائعات بأنهم معتَلّون نفسيًا ويعانون من اضطرابات الشخصية، وقد يعانون -إضافة إلى ذلك- من اضطرابات القلق.

والأثر الذي تتركه الشائعات على المجتمع كبير جدًا، وقد تُقوِّض الأمن والاستقرار الاجتماعي بشكل خطير، كما تُخلِّف حالة من القلق والتوتر وعدم الثقة والتشكيك في كل شيء. وقد نهى الإسلام عن هذه السلوكيات السلبية لخطورة نتائجها؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6).

وهذا تحذير شديد، وقد ربط المولى عز وجل فعل مطلق الشائعة بفعل الفاسقين، وما بعد هذا الربط من حديثٍ يشرح وتفصيلٍ يُقال. ولنتفكر في ذلك ليكون لنا رادعًا.

الأكثر قراءة