النظام البيئي لتوازن العمل للمرأة (1- 6)

 

 

عبيدلي العبيدلي **

 

تشكل المرأة اليوم جزءا أساسيا من القوى العاملة العالمية، ولا تساهم في النمو الاقتصادي فحسب، بل تساهم أيضا في تحويل، وتنمية الهياكل الاجتماعية والثقافية. ومع ذلك، وعلى الرغم من التقدم المحرز، لا تزال المرأة العاملة تواجه تحديات في تحقيق التوازن بين المسؤوليات المهنية والشخصية والأسرية.

إن مفهوم النظام البيئي للتوازن بين العمل للمرأة، هو إطار يدمج أربعة أبعاد: التمكين الشخصي، والدعم في مكان العمل، والمشاركة الأسرية والمجتمعية، والتكنولوجيا والابتكار. تؤكد النتائج على أن إنشاء البيئي (EcoSystem) فعال لتوازن العمل لا يفيد المرأة فحسب، بل يقوي أيضا الأسر، ويعزز الإنتاجية، ويساهم في التنمية الاجتماعية المستدامة.

وفي القرن الحادي والعشرين، تطور دور المرأة في القوى العاملة من مسألة اختيار شخصي إلى حجر الزاوية في الاستراتيجيات الاقتصادية والاجتماعية الوطنية. إذ تنشط النساء بشكل متزايد في جميع القطاعات تقريبا - الخدمة العامة والمشاريع الخاصة والتعليم والرعاية الصحية وريادة الأعمال والصناعات الرقمية. وهذا من شأنه جلب مهارات ووجهات نظر ومرونة فريدة لمجتمعاتهن. ومع ذلك، وعلى الرغم من إنجازاتهن المميزة والمرموقة، لا تزال النساء العاملات يكافحن ضد التحدي المعقد المتمثل في تحقيق التوازن بين أدوار متعددة: مهنيات، وأمهات، ومقدمي رعاية، وأعضاء نشطين في المجتمع.

ويشير مصطلح "النظام البيئي للتوازن بين العمل للمرأة" إلى إطار شامل يعترف بالتفاعل بين العوامل الفردية، والتنظيمية، والمجتمعية، والتكنولوجية التي تشكل قدرة المرأة على تحقيق التوازن بين التطلعات المهنية والرفاهية الشخصية. وهو على عكس المفهوم الأضيق للتوازن بين العمل والحياة، والذي غالبا ما يؤطر تحديات المرأة من منظور فردي بحت، يؤكد نموذج النظام البيئي على أنظمة الدعم الهيكلي وأطر السياسات. هذا المنظور الأوسع أمر بالغ الأهمية لفهم كيف يمكن للقوانين والأعراف الثقافية والممارسات في مكان العمل أن تعيق أو تمكن نجاح المرأة.

وتؤكد المناقشات العالمية المتعلقة بالسياسات على أهمية هذا الموضوع. فقد أكدت المنظمات الدولية مثل منظمة العمل الدولية، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، والبنك الدولي، مرارًا وتكرارًا أن تمكين المرأة في القوى العاملة ليس مجرد مسألة إنصاف، ولكنه أيضا محرك للإنتاجية والتنمية المستدامة. كما تشير الدراسات إلى أن سد الفجوات بين الجنسين في المشاركة في القوى العاملة يمكن أن يضيف تريليونات الدولارات إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ومع ذلك، لا تزال الحواجز التي تواجهها النساء راسخة بعمق: عدم المساواة في الأجور، وعدم كفاية إجازة الأمومة والوالدية، والبنية التحتية المحدودة لرعاية الأطفال، والمقاومة الثقافية للمسؤوليات المشتركة في المنزل.

 

وتمتد مناقشة مفهوم التوازن بين العمل والحياة لعقود في الدراسات الإدارية وعلم الاجتماع وعلم النفس. تقليديا، أشارت إلى قدرة الفرد - سواء كان ذكرا أو أنثى - على تقسيم الوقت والطاقة بين المجالات المهنية والشخصية. ومع ذلك، عند فحص تجارب المرأة في القوى العاملة، يتضح أن هذا التعريف غير كاف. إذ لا تتشكل المسارات المهنية للمرأة من خلال إدارة الوقت الشخصية فحسب، بل تتشكل أيضا من خلال الهياكل المؤسسية والمعايير الثقافية وأطر السياسات. لالتقاط هذا التعقيد، يوفر مصطلح النظام البيئي لتوازن العمل للمرأة منظورا أكثر شمولية ومتعدد التخصصات.

وقد ظهرت الدراسات الأولى للتوازن بين العمل والحياة في السبعينيات والثمانينيات، بالتزامن مع صعود الأسر ذات الدخل المزدوج في المجتمعات الغربية. حدد علماء مثل Greenhaus and Beutell (1985) "الصراع بين العمل والأسرة" كعائق رئيسي، واصفين كيف يمكن أن تتداخل ضغوط الوقت والدور من العمل مع المسؤوليات العائلية. وركزت النماذج المبكرة في المقام الأول على قدرة العامل الفردي على إدارة المطالب المتنافسة، وغالبا ما تتجاهل العوامل المؤسسية والمجتمعية الأوسع.

وغيرت المنح الدراسية النسوية النقاش من خلال القول بأن التوازن بين العمل والحياة ليس محايدا بين الجنسين. وغالبا ما تتحمل النساء، على عكس الرجال، "عبئا مزدوجا" من الواجبات المهنية والعمل المنزلي غير المدفوع الأجر. أوضح مفهوم هوشيلد (1989) عن "الوردية الثانية" كيف ستعود النساء، بعد العمل في وظائف بدوام كامل، إلى المنزل لأداء معظم المهام المنزلية وتقديم الرعاية. كشف هذا المنظور الجندري أن التفاوتات الهيكلية - وليس أوجه القصور الفردية - كانت في صميم اختلال توازن المرأة.

يوفر نموذج النظام البيئي (EcoSystem) فهما أكثر شمولًا من خلال التعرف على مستويات متعددة مترابطة هي:

المستوى الفردي: مهارات المرأة، والمرونة، والصحة.

المستوى التنظيمي: أماكن العمل والسياسات التي تدعم المرأة أو تقيدها.

المستوى المجتمعي والثقافي: الهياكل الأسرية والتوقعات الاجتماعية والمعايير.

مستوى السياسة الكلية: القوانين الوطنية وأنظمة العمل والاتفاقيات الدولية.

المستوى التكنولوجي: الأدوات والابتكارات التي تتيح المرونة والكفاءة.

من خلال النظر إلى هذه الطبقات كجزء من نظام بيئي واحد، فإننا نقر بأن التغيير في مجال واحد (على سبيل المثال، سياسة الإجازة الوالدية الوطنية) له آثار مضاعفة عبر مجالات أخرى (على سبيل المثال، ديناميكيات الأسرة، والإنتاجية في مكان العمل).

ويسلط التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين (2023)، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الضوء على أن البلدان ذات المساواة بين الجنسين في المشاركة في العمل تسجل أيضا مستويات أعلى من الابتكار والقدرة التنافسية. قدرت شركة ماكينزي آند كومباني (2015) أن تعزيز المساواة بين الجنسين في مكان العمل يمكن أن يضيف 12 تريليون دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2025. ويعزز هذا البعد الاقتصادي الحجة المؤيدة للنظم الإيكولوجية لتوازن العمل: فدعم المرأة ليس مسألة عدالة فحسب، بل هو أيضا مسألة استراتيجية مالية.

** خبير إعلامي

الأكثر قراءة