بالذكاء الاصطناعي.. طبيبك النفسي في جيبك!

 

 

مؤيد الزعبي

كثيرة هي المشاكل النفسية التي نعاني منها في حياتنا؛ منها المشاكل البسيطة وصولًا للمشاكل المعقدة والتي يمكننا تسميتها بالأمراض النفسية، وبوجهة نظري في هذا الجانب أنه حتى المشاكل البسيطة إذا تكررت وتعمقت ستتحول يومًا لأمراض أو أزمات نفسية.

ولهذا أود منك- عزيزي القارئ- أن تتخيل أن يتوفر لك طبيبك النفسي الخاص؛ وأعني بالخاص أنه وجد وتوفر وصُنع من أجلك أنت وحدك ومتناسب مع احتياجاتك وطلباتك ومتاح لك في أي وقت في الزمان والمكان الذي تُريد، وأزيدك من الشعر بيت؛ هذا الطبيب أو المعالج يحفظ سرك جيدًا ويفهمك على الطاير، والآن أود أن أعرفك عزيزي القارئ بالطبيب النفسي الذي يعمل بالذكاء الاصطناعي؛ طبيبك النفسي بات في جيبك وأمام عينك يحلل صوتك وتعابير وجهك ويسمع أفكارك ويحاورك بمشاكلك واضطراباتك.

رغم أن الصحة النفسية والعقلية أمر مهم جدًا وتأثيره قد يأخذ أشكالًا عديدة منها الصحية ومنها الاقتصادية إلا أن هناك فجوة ما بين ما تنفقه الحكومات على الصحة النفسية مقارنة بالصحة الجسدية؛ حيث تُشير الدراسات بأن الحكومات تخصص 2.1% من نفقاتها للقطاع الصحي للصحة النفسية، فجوة مهولة لو نظرنا لها من حيث الأرقام والنسب، والفجوة مهولة بشكل أكبر لو نظرنا لتأثير هذا الأمر على الكثير من الأمور أهمها تأثير الصحة النفسية على الصحة البدنية، ولهذا قد يقول قائل إن تقديم الرعاية الصحية النفسية أمر في غاية الصعوبة أولًا من حيث صعوبة الأمر كعملية علاجية وثانيًا صعوبتها من ناحية قدرات لوجستية أو توافر الكوادر المؤهلة لذلك.

ومن بين أدوات الذكاء الاصطناعي المتخصصة بالصحة النفسية والعقلية منصات مثل Mindmate وEndel وBetterHelp وTalkspace، وهناك أيضًا منصة Tess وهو برنامج دردشة يعمل من خلال المراسلة الفورية وتستطيع التحدث معه عن طريق Facebook Messenger، فإذا كنت تعاني من بعض الصعوبات اليومية أو أن مزاجك تعكر بسبب حدث معين؛ سواء في العمل أو في الحياة الشخصية، فمن خلال Tess تستطيع الفضفضة مع روبوت معد من خلال نماذج متخصصة بالصحة العقلية وسيعمل على تقليل توترك كما لو كان صديقك المقرب.

أيضًا هناك تطبيق آخر وهو Wysa، والذي يعمل كنظام دعم للصحة العقلية موجه الذكاء الاصطناعي، ويستخدم هذا التطبيق لغة طبيعية لإشراك المستخدمين في محادثات حول حالتهم العقلية ، وتوفير حلول لتقليل القلق وإعادة صياغة أنماط التفكير وتمارين الاسترخاء والتنفس العميق لتقليل التوتر، وهناك أكثر من 150 أداةً لتجعل المستخدمين في حالة إيجابية ومتفاعلة، ويساعدك التطبيق في تجاوز حالات نفسية صعبة مثل فقدان الأشخاص الأعزاء، الاحتراق الوظيفي، الصعوبات المالية، مشاكل الأرق والنوم، وأيضًا هناك أدوات تساعدك في زيادة الثقة بالنفس.

تخيل- عزيزي القارئ- ما الذي سيحدث لو تم تشكيل فرق متعددة التخصصات تضم باحثين في مجال الذكاء الاصطناعي ومتخصصين في علم النفس السريري ومطوري برمجيات وعلماء بيانات لإيجاد تطبيق يعمل بالذكاء الاصطناعي متخصص للعلاج النفسي، وتخيل كم هي حجم البيانات التي نملكها لتجاربنا كبشرية مع العلاج النفسي وأنماطه وطرقه وحالاته ويمكن استخدام هذه البيانات في إعداد نماذج تفهم مشاكلنا النفسية بشكل يفوق قدرات البشر أنفسهم، وهنا لا أقصد أن نستغني عن الأطباء النفسيين فالإنسان بطبيعته قد يميل للتعامل البشري في مثل هذه الحالات، ولكن أقصد أن هناك ملايين الحالات والاحتمالات التي يمكن أن يكون فيها الذكاء الاصطناعي بديلًا وحلًا للكثير من المشاكل النفسية.

في الحقيقة أجد أننا أمام فرصة أخرى بأن نستغل الذكاء الاصطناعي ليكون مساعدًا وذراعًا أيمن للأطباء النفسيين لمساعدتهم في تحليل الشخصية أو الحالة التي يعالجونها، وفي مثل هذه الحالات يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مساعدًا فذًّا يقدم الكثير من المساعدة للأطباء النفسيين ويسهل العملية العلاجية خصوصًا في مسألة التواصل فيمكن برمجة تطبيقات تمكن المرضى من الدردشة مع مساعدين هؤلاء الأطباء وسيكون المساعد متاح في أي وقت أمام المريض وسيكون الطبيب متابع للحالة التي أمامه بشكل دقيق وواضح فبإمكانه الولوج لهذا النظام في أي وقت ومتابعة عملية سير المحادثات وتطوراتها ويمكنه أيضًا توجيه مساعده الإلكتروني أن صح لنا تسميته بهذا ليتخذ أنماط علاجية مغايرة أو طرق أخرى في التعامل مع الحالة بناء على تقييم الطبيب نفسه إن وجب ذلك.

إن ما كان صعب علينا من الوصول للمرضى النفسيين لوجستيًا أو جغرافيًا لعدم كفاية أعداد الأطباء أو صعوبة تواجدهم في الوقت والمكان المراد بات أمرًا من الماضي بوجود روبوتات الدردشة والمعالجون الافتراضيون، وهذا بحد ذاته إنجاز كبير سيمكن من توفير جودة أعلى للصحة النفسية للكثير من المجتمعات والحالات، وأيضًا قد تكون هذه المنصات حلًا للفكر السائد لدى البعض بأن هناك توجس أو خيفة من الذهاب لطبيب نفسي فيجدون بهذه الأنظمة والمنصات حلًا طالما توفر لهم السرية وبعيدًا عن الاحراجات التي قد يشعر بها البعض في بعض الحالات، وأيضًا لا شك أن مثل هذه الأنظمة ستوفر لنا طبيبًا نفسيًا بأسعار رمزية وأنت تعلم عزيزي القارئ كم هذه النقطة مهمة خصوصًا وأن تكلفة العلاج النفسي قد تكون باهضه لدرجة قد تجعلك تمر بأزمة نفسية أخرى لو أقدمت على هذا.

أيضًا- عزيزي القارئ- تخيل معي كم حجم الفوائد الذي سنخرج بها لو تم استخدام تقنيات العلاج بالواقع الافتراضي وكم هي الحالات النفسية التي حلها الوحيد إخراجها من العوالم التي تعيشها لتدخل عوالم أخرى، أو حث المرضى لممارسة تجارب اجتماعية كنوع من العلاج أو التخلص من مخاوف عديدة وكل هذا في بيئات آمنة وخاضعة للرقابة والتجريب والتبديل في أي وقت وحسب كل حاجة، فلو كان شخصًا يعاني من مخاوف مع التعامل مع الغرباء فيمكن إعداد بيئات تفاعلية افتراضية للتخلص من هذه المخاوف، ويمكن استخدام هذه التقنيات بشكل فعال في علاج الحالات النفسية الخاصة بالأطفال.

في النهاية- عزيزي القارئ- يجب أن أعترف لك أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا للمعالجين البشريين، إنما وهو بمثابة أداة تكميلية لدعم وتعزيز العلاج التقليدي وايصاله لجميع الناس الذين يحتاجون بالوقت والمكان المناسب، وأيضًا أنا أؤمن بأن الذكاء الاصطناعي سيتطور لدرجة يصبح بها طبيبك النفسي حاضرًا وجاهزًا يراقب سلوكياتك ومشاعرك وتعابيرك ليتوقع لك المخاطر التي قد تمر بها نفسيًا ويساعدك للخروج منها قبل حتى أن تحدث.