محمد بن جمعة الغافري **
مثل أي صيحة أو تقليعة تصلنا من العالم الغربي، انتشر استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل سريع في كل مناحي الحياة، وفي بعض الأحيان بدون التفكر أو النظر في عواقبها السلبية المحتملة. ورغم أننا لا ننكر الجوانب الإيجابية الكثيرة للذكاء الاصطناعي في كثير من المجالات، إلّا أننا يجب أن نتعامل مع منتجاته التي يمكن أن تستخدم في عملية التعلم بحذر؛ ذلك لأنه قد يؤدى إلى التحول في طريقة التعلم من الاعتماد على مهارات التحليل والتفكير الناقد وحل المشكلات التي نولد بها ونطورها من خلال عملية اكتساب اللغة إلى الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأدواته في القيام بكثير من المهام التعلمية والمهارات البحثية، مما سيُؤثر سلبًا على مهارات التفكير العليا لدى الطلبة الجامعيين.
وفي هذا المقال، أتطرق إلى بعض الجوانب السلبية لاستخدام منتجات الذكاء الاصطناعي في عملية التعلم.
إن الاعتماد المتزايد على هذه الأدوات يقلل الجهد الذهني المبذول، فيتحول الطالب من مفكر إلى مستخدم مما يقلل الاستقلالية الفكرية؛ حيث تستبدل عملية التفكير بالنسخ أو التعديل السريع لمعطيات النموذج، وتكون نتيجة ذلك طلبة اعتماديون لا يمكنهم التفكير أو استنتاج أفكار بسيطة، بل يلجؤون مباشرة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار أو كتابة النصوص دون بذل أي جهد ذهني يذكر. واستمرار الطلبة في تأدية الأنشطة الجامعية بهذه الطريقة، ينتج عنه ما يسمى بـ"الكسل المعرفي"؛ حيث يعتاد الطلبة على اجتياز مقررات دراسية بأكملها بحصيلة تعلميّة هزيلة بعد أن يكونوا قد فوّتوا فرصة تطوير مهارات التعلم لديهم من خلال الانخراط النشط في عملية التعلم الذاتي. والعقل البشري دائمًا ما يتطور بالتحدي والفضول منذ الصغر، ويبدأ ذلك مع عملية اكتساب اللغة والتي تتحصل من خلال أسلوب التجربة والخطأ والبحث والتساؤل وليس الراحة والاعتماد على الذكاء الاصطناعي الذي لا يتطلب أي جهد ولا يوفر أي تحدي، ويؤدي هذا إلى تراجع دافعية التعلم الذاتي وفقدان الفطرة البشرية المتمحورة حول التساؤل والفضول.
أما عمَّا قد يترتب على الكسل المعرفي من تناقص الجهد الذهني المبذول من قِبل الطلبة، فهناك نتائج سلبية أهمها تراجع مهارات التفكير العليا؛ ومنها: التفكير النقدي والتحليل والقدرة على حل المشكلات؛ حيث يتطلب التفكير الناقد مهارات تحليلية ومهارات حل المشكلات، وهذان يعتمدان على مهارات المحاولة والخطأ، بينما يقفز الذكاء الاصطناعي بالمستخدم دائمًا إلى الحل؛ مما يؤدي لفقدان هذه المهارات تدريجيًا، أي أن الذكاء الاصطناعي يوفر الإجابة ويفوت فرصة التوصل إليها من خلال النشاط العقلي. فعلى سبيل المثال، يطلب الأستاذ من الطالب استخلاص النقاط الأساسية من نص أدبي أو تحليله ونقده في أحد المقررات الدراسية، فيلجأ الطالب إلى إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد هذه المتطلبات دون أي محاولات تذكر للنظر في النص أو مكوناته، مما يتسبب في إحداث ثغرة بالمهارات التي يُتوقع من الطالب الجامعي اكتسابها أو تطويرها من خلال ذلك النشاط أو المقرر الدراسي.
وتقود هذه الممارسات إلى نتائج سلبية أولها صعوبة التمييز بين العمل الأصيل والمولّد آليا؛ حيث أصبح من الصعب على المدرسين التفريق بينهما لاسيما مع ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي المؤنسِنة (AI Humanizers) والتي تجعل عملية اكتشاف النصوص المولدة أقرب للمستحيل، ويقود هذا إلى نتيجة أكبر تكمن في التقييمات الجامعية التي لن تعكس مستوى الطالب الجامعي في حال استخدامه لهذه الادوات مما يؤدي إلى غياب وجود مقياس لمستوى الطالب الحقيقي؛ حيث يصبح تركيز الطلبة على اجتياز الأنشطة والواجبات بأسرع طريقة دون بذل جهد ذهني وهذا بدوره قد يؤدي إلى فقدان الهدف الأساسي للتعليم الجامعي وهو بناء العقل النقدي وتطوير مهارات التفكير العليا.
فهل نتوقف عن استخدام هذه الأدوات؟
الإجابة بالطبع لا. ففي هذا العالم المتسارع لا يمكننا الاستغناء عن التقنيات والتكنولوجيا الحديثة، بل يجب علينا التوجه لجعلها وسيلة لتسهيل حياتنا دون التأثير على مهاراتنا وقدراتنا. وعليه فإن من واجبنا التوجه نحو استخدام متوازن ومسؤول للذكاء الاصطناعي؛ حيث نستخدمه كأداة مساعدة لا بديلة مثل الاستعانة به في المهام التي تتطلب مهارات التفكير الدنيا والتي لا تتطلب جهدًا عقليًا كبيرًا وتصنف كمهامٍ تقنية كاستذكار المعلومات أو التحقق اللغوي أو تنظيم المحتوى وغيرها من المهام البسيطة. ويجب تدريب الطلبة على التفكير في المشكلة وتحليلها قبل اللجوء إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لكيلا يفقدوا مهارات التفكير العليا لديهم.
وهنا ننوه إلى أن المشكلة ليست في التقنية، بل في طريقة توظيفها، فقد تختلف وجهات النظر حول طرق استخدامها وتتزايد النقاشات حول الجوانب الأخلاقية للاستخدام، ولكن الأهم هو ألا يؤثر استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل سلبي على الجانب المعرفي للطلبة الجامعيين ومهاراتهم الذهنية والبحثية.
لذا لزم التحذير من أن استمرار هذه الممارسات دون رقابة أو تقنين سيقود إلى وضع قد يكون أسوأ من قلة المعرفة، وهو ضعف أدوات اكتساب المعرفة التي فُطرنا عليها، وذلك لأن الجيل الجامعي القادم سيكون قد تربى على أدوات الذكاء الاصطناعي في المدارس، وسيكون من الصعب عليه الاستغناء عنها في الجامعة، مما قد يؤدي إلى جيل معتمِد كليًا على الذكاء الاصطناعي في المجال الأكاديمي، مما يفقده مزايا الذكاء الطبيعي بشكل تدريجي، الذكاء الطبيعي الذي مكّن الجنس البشري من اختراع الذكاء الاصطناعي.
** طالب بجامعة السلطان قابوس
