المقاومة كممثل شرعي وحيد

 

علي بن مسعود المعشني

ali95312606@gmail.com

 

ملحمة طوفان الأقصى ليست كما سبقها ولا كما سيأتي بعدها من ملاحم تاريخية مع العدو، أياً كان هذا العدو، فهي ملحمة واجهتها عسكرية مُسلحة، ولكن تداعياتها شملت جميع أوجه الصراع العربي مع العدو الصهيوني ومن خلاله صراع العالم مع الصهيونية العالمية والتي استيقظ العالم بأسره وأجمع في لحظة تاريخية على مقتها وضرورة زوالها وتطهير جغرافيات العالم والإنسانية منها.

لم يُرمم طوفان الأقصى الوعي العربي المعاصر والمُنهك بثقافات الهزائم والوهن والاستسلام فحسب؛ بل رمم الوعي العالمي بأسره وشخص له موطن الداء ونوع الدواء معًا. فحين تحين مشيئة الله وتحل إرادته يُقيض الأسباب ويُسخر الجُند من حيث لا نعلم سبحانه وتعالى.

ثلاثة عقود والحل الانهزامي الاستسلامي من قبل النظام العربي الرسمي للعدو الصهيوني والمتمثل بما سُمي بحل الدولتين يُراوح مكانه ويتلاعب به الطرف الصهيوني القوي بسلاحه ودعم رعاته وتخاذل عدوه العربي، واتفاق أوسلو المُهين الذي أعترف بحق الكيان الغاصب في غالبية أرض فلسطين مقابل الاعتراف الصهيوني بمنظمة التحرير الفلسطينية كـ"مُمثل" شرعي للفلسطينيين وليس لفلسطين يراوح مكانه ولم ينفذ منه سوى الشق الأمني الذي بموجبه تقوم السلطة الفلسطينية بحماية أمن الكيان وقمع مواطنيها!! ومؤتمر مدريد ومخرجاته وتوصياته عام 1991 أصبح أثرًا بعد عين، وبرهنت الأيام أنه مجرد ملهاة جديدة للعرب من قبل الكيان ورعاته بعد ضجيج حرب الخليج الثانية.

والحلقات كثيرة وطويلة في مسلسل المراوغات الصهيونية للعرب لطمس القضية وتسويق التطبيع البائس للمزيد من الاحتلالات وتمرير مخطط الصهيونية العالمية في الوطن العربي.

يأتي طوفان الأقصى اليوم اسمًا على مسمى، فيضع النقاط على الحروف ويصحح المعاني والمسارات الصحيحة معًا، ويُبرهن على أن الكيان الصهيوني لا يُمكن هزيمته ولا مواجهته بالمفاوضات في ظل التخلي عن السلاح ونهج المقاومة، فخيار البندقية الذي سقط فعليًا في اجتياح لبنان عام 1982، واستبدل بغصن الزيتون الزائف في "كامب ديفيد" و"وادي عربي" و"أوسلو" أثمر كيانًا مُغتصبًا متوحشًا، مدعومًا بكل شرعيات الغرب الزائفة وقواه الناعمة والخشنة، مقابل واقع عربي متقهقر يتوسل الفتات من المكاسب وجوائز الترضية التي لا تليق بحقه ومكانة الأمة العربية التاريخية والحضارية بزعم الضعف والهوان وقوة الآخر وجبروته. طوفان الأقصى برهن على أن الضعف خيار والقوة خيار كذلك، وأن النصر يُنتزع والهزيمة تُكتسب كذلك، ولكل نظام ما نوى.

الطوفان أعاد النصاب للقضية وأعاد التآخي والزمالة الأبدية بين البندقية وغصن الزيتون، وبهذا توازن الرعب والوجع مع العدو ورعاته والذين لا يعرفون ولا يفهمون سوى لغة واحدة وهي لغة القوة، ولا يحترمون ولا يُذعنون إلّا للقوي.

ما زال الطوفان يمنح الخيار للساسة للالتحاق بخياره ليشكلا التمثيل الشرعي والوحيد للقضية الفلسطينية، فإن تخلف الساسة عن الركب وتذرعوا بأسطوانة الهوان المعتادة، فستنفرد المقاومة بقيادة المشهد والخيار الوحيد للقضية وسيلتحق بها السواد الأعظم من الأمة والعالم، وسيكون خيارها هذا وبالًا على التطبيع ودعاته من نُظم سياسية ونُخب وساسة. والله غالب على أمره.

قبل اللقاء.. ما لم تكن مُقاومًا فتشبه بهم، فإن لم تستطع فأحببهم، فإن لم تستطع فلا تُبغضهم ولا تعاديهم.

وبالشكر تدوم النعم.