ميزان الاقتصاد العُماني (1- 2)

◄ ميزان المدفوعات مرآة تعكس حجم التعاملات الاقتصادية والتجارية مع العالم

◄ 13.4 مليار ريال واردات سلعية العام الماضي بزيادة 24%

◄ العجز المزمن في قطاع الخدمات يمثل تحديًا اقتصاديًا بنيويًا

◄ 4.5 مليار ريال مدفوعات الخدمات من السلطنة إلى العالم بارتفاع 28% في 2022

◄ ضرورة الاهتمام بتنمية قطاع الخدمات القادر على توفير أكبر عدد من الوظائف

◄ 3.5 مليار ريال تحويلات العمالة الأجنبية في 2022

◄ 3.5 مليار تدفقات رأسمالية خارجة بزيادة 21% العام الماضي

◄ ميزان المدفوعات يعاني من اختلالات هيكلية.. و"الإنتاجي" في المقدمة

◄ لا بديل عن ضرورة التمكين الحقيقي للقطاع الخاص في الدورة الاقتصادية

 

د. يوسف بن حمد البلوشي

yousufh@omaninvestgateway.com

 

نتعرَّضُ في هذا المقال (الذي يُنشر على حلقتين) إلى واحد من أهم الموازين الاقتصادية الكُلية، والذي يمثل مرآةً تعكس حجم التعاملات الاقتصادية والتجارية وما يتبعها من تدفقات نقدية بين الاقتصاد العُماني والاقتصاد العالمي، خلال فترة زمنية محددة (سنوية) مستندين في قراءتنا إلى التقرير السنوي للبنك المركزي العُماني لعام 2022، والذي يُعد التقرير الأفضل لرصد وتحليل التطورات الاقتصادية والنقدية والمالية في سلطنة عُمان.

ويستهدف هذا المقال تسليط الضوء على أهم المسائل المرتبطة باقتصادنا الوطني؛ سعيًا لتعزيز الجهود الكبيرة التي تبذلها مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع بأسره، من أجل معالجة مَوَاطِن الضعف في ميزان الاقتصاد؛ بما يكفل الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي على الأمد الطويل، وتوفير فرص العمل الملائمة للعُمانيين. وضمن هذا السياق، تتجلى الحاجة إلى شحذ الهمم وحشد الجهود؛ سواءً من صُنّاع القرار في القطاع العام، أو من الأطراف الفاعلة في القطاع الخاص، من أجل دراسة المحاور المطروحة دراسة مُعمَّقة، وتقديم التوصيات الكفيلة بإحداث التطور المنشود، في إطار المبادئ الاساسية التي يقوم عليها الاقتصاد العُماني، من حرية اقتصادية ومنافسة حرة، وكذلك التكامل مع الاقتصاد العالمي وحرية التجارة.

حديثنا اليوم عن ميزان المدفوعات، الذي يقيس تفاعل عُمان مع سلاسل التوريد العالمية، ودرجة الانفتاح، ومدى الاستفادة من الفرص، والفضاء العالمي للحصول على ما يحتاجه من سلع وخدمات واستثمارات، وكذلك المساهمة في تلبية الطلب العالمي على السلع والخدمات والاستثمارات التي تنتجها السلطنة. وهذا الميزان يُوضح هيكلية الإنتاج المحلي، ومدى التوازن أو الاختلال فيه.

وكغيره من الموازين، لميزان المدفوعات كفتان؛ الأولى: تدخل منها الأموال إلى الاقتصاد العُماني من خلال التصدير أو تقديم خدمات للعالم أو جذب استثمارات أو غير ذلك، وتُستخدم هذه الأموال من قبل الحكومة والشركات والأفراد. أما الكفة الثانية، فهي التي تخرج منها الأموال من السلطنة مقابل الحصول على الواردات من السلع والخدمات أو خروج أموال للاستثمار في الخارج.

وضمن الحيز المتاح، سنركز في حديثنا على إحدى كفتي الميزان؛ وهي الكفة الثانية المعنية بخروج الأموال من الاقتصاد العُماني، وذلك على نحو مُيسَّر، دون الدخول في دراسة أبعادها وتشابكاتها رقميًا وتحليليًا بنوع من التفصيل والعمق الذي تستحقه.

وهذا الميزان يمثل ترجمة لمعادلة التنمية الاقتصادية البسيطة، التي مفادها أنه يتعين على الدول الراغبة في تحقيق نهوض اقتصادي، تعزيز الكفة الأولى بزيادة الصادرات من السلع والخدمات، وجذب المزيد من الاستثمارات. وأيضًا التأثير على الكفة الثانية من خلال الحد من خروج الأموال أو ما يسمى بإحلال الواردات من السلع والخدمات وإيجاد البيئة التي تستقر فيها الاستثمارات وتُعيد استثمار الأرباح كبديل لتحويلها للخارج.

الكفة الثانية لميزان مدفوعات الاقتصاد العُماني معنية بقياس خروج الأموال من دورة الأنشطة الاقتصادية العُمانية إلى الخارج، لتلبية الطلب المحلي، والأثر السلبي لذلك على احتياطيات العملة الأجنبية، والضغط على سعر صرف الريال العُماني، واتساع الفجوة الاستثماريةـ وضعف مضاعف الإنفاق، ومحدودية توليد فرص العمل المحلية وتنويع قاعدة الإنتاج المحلي (حيث إن الأموال تخرج إلى الخارج دون أن تدور بشكل كافٍ في الاقتصاد المحلي لتوليد فرص العمل وتوفير دخول لشريحة أكبر من المتعاملين محليًا).

وبقراءة متأنية للإحصاءات المنشورة في التقرير المذكور، نجد أن الواردات من السلع المختلفة تحتل المرتبة الأولى؛ حيث تم استيراد سلع إلى السلطنة خلال السنوات الثلاثة الأخيرة (2020- 2021- 2022) بقيمة 9.8، و10.8، و13.4 مليار ريال عُماني؛ وهذه أرقام مليارية ضخمة ارتفعت بنسبة 24% خلال عام 2022، من بينها سلع يمكن إحلالها بإنتاج محلي متى ما وُجِدَت السياسات العامة والبرامج المناسبة لتبني ما يُسمى بـ"إستراتيجية إحلال الواردات". وعلى سبيل المثال، بلغت القيمة الكُليّة للواردات السلعية في قطاع المنتجات الحيوانية والنباتية والأغذية والمشروبات حوالي ملياري ريال في عام 2022؛ أي حوالي 13.5% من اجمالي الواردات.

وفي جانب الخدمات؛ فإنَّ السلطنة تُعاني من عجز مزمن؛ حيث إنَّ الخدمات التي تُقدِّمها السلطنة أقل بكثير من الخدمات التي تحصل عليها من العالم، وهذا تحدٍ اقتصادي بُنيَوِيّ، يجب التعامل معه من خلال تنشيط قطاع الخدمات.

وتشير الإحصاءات في ميزان المدفوعات إلى ان مدفوعات السلطنة خلال السنوات الثلاثة الأخيرة (2020- 2021- 2022) مقابل ما حصلت عليه من خدمات من العالم، قد بلغت 3.3، و3.5، و4.5 مليار ريال عُماني، وارتفعت بنسبة 28% خلال عام 2022؛ وذلك لتلبية الطلب المحلي على الخدمات المختلفة، ونذكر منها لعام 2022 خدمات النقل والتي بلغت ما يقارب المليار و854 مليون ريال عُماني، وخدمات السفر للأغراض المختلفة كالسياحة والتعليم والعلاج بنحو 854 مليون ريال عُماني، وخدمات التأمين بـ489 مليون ريال عُماني، والخدمات المالية بـ152 مليون ريال عُماني، وخدمات الاتصالات والخدمات المتصلة بها بـ229 مليون ريال عُماني، وخدمات أخرى بقيمة 680 مليون ريال عُماني.

وهذه أرقام ضخمة حريٌّ بنا دراستها بتأنٍ، والاهتمام بقطاع الأنشطة الخدمية وبناء قدرات وطنية في هذا الشأن. وتشير التجارب العالمية إلى الإمكانيات الكبيرة لقطاع الخدمات في حل مشكلة الباحثين عن عمل محليًا وعالميًا؛ فقطاع الخدمات يمثل أكبر جهة توظيف في جميع البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتوضح دراسات البنك الدولي أنه في ظل العولمة، فإن قطاع الخدمات يحتل أهمية خاصة في الدول النامية أكثر من قطاع السلع؛ حيث تنمو صادرات الخدمات بوتيرة أسرع بكثير من البلدان المتقدمة. وهناك حاجة ملحة لتشغيل قاطرات الخدمات في الاقتصاد العُماني، وعلى رأسها قطاع السياحة والنقل والشحن والتأمين، وتهيئة الموارد البشرية الوطنية، وكذلك وضع الأسس والأُطُر الضرورية ليستطيع الافراد والشركات المحلية تقديم الخدمات للعالم، والاستفادة مما تتيحه تيارات العولمة من فرص لمن يريد أن يكون جزءًا من سلاسل الخدمات العالمية وتقديم خدمات للعالم، بدلًا من الاعتماد على الأسواق المحلية المحدودة.

هناك قناة أخرى مهمة لخروج الأموال من السلطنة؛ وهي تحويلات العاملين الأجانب في السلطنة إلى بلدانهم؛ إذ تشير الإحصاءات في هذا الشأن إلى أن تحويلات العاملين في السلطنة خلال السنوات الثلاثة الأخيرة (2020- 2021- 2022) بلغت 3.4، و3.1، و3.5 مليار ريال عُماني، ارتفعت بنسبة 13% خلال عام 2022؛ الأمر الذي يستوجب إيجاد سياسات تُحفِّز بقاء هذه الأموال في السلطنة، من خلال تسهيل دخول عائلات العاملين، وإيجاد فرص يُمكن لهم الاستثمار فيها، وغير ذلك من مُقترحات.

ونؤكد هنا على أهمية مراجعة هيكلة وتركيبة العمالة الأجنبية التي تعاني من خلل بُنيَوِيّ يتمثل في تدني المؤهلات والمهارات؛ حيث إن أكثر من 85% من العاملين الأجانب في السلطنة يحملون مؤهل ثانوية عامة وما دون، كما يُلاحظ تركُّزهم بشكل كبير في ثلاث جنسيات ذات ميل حدّيِّ محدود للاستهلاك. ونؤكد هنا أنَّ التحول إلى الاقتصاد المعرفي (أي استخدام التراكم المعرفي وما يُعرف بالثورة الصناعية الرابعة وتسخيرها لإنتاج منتجات جديدة وتقنيات متطورة في مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية)، يتطلبُ العمل على تغيير تركيبة وهيكل العمالة لتحويلها إلى عمالة ماهرة، والإنفاق على التدريب والتأهيل، وأنشطة البحث والتطوير؛ وصولًا إلى منتجات ذات محتوى معرفي وتكنولوجي مرتفع. وهنا، يُمكِن للشباب العُماني المؤهل والطموح أن يحظى بفرصة للمنافسة في سوق العمل محليا وعالميا.

ننتقل الآن إلى مصدر آخر لخروج الأموال من الاقتصاد العُماني، ويتمثل في التدفقات الرأسمالية الخارجة، تحت حساب الدخل الأوَّليّ كمداخيل جرّاء استثمارات أجنبية في السلطنة؛ منها على سبيل المثال: أرباح الأسهم، والفوائد المدفوعة على القروض، وعوائد الاستثمار، وقد بلغت هذه التدفقات الخارجة- تحت هذا الحساب- خلال السنوات الثلاثة الأخيرة (2020- 2021- 2022) حوالي 2.4، و2.9، و3.5 مليار ريال عُماني، وارتفعت بنسبة 21% خلال عام 2022، وهذه الأخرى تعكسُ في معظمها تحويلات أرباح شركات النفط والغاز على استثماراتها الضخمة في السلطنة. هذا إضافة إلى مدفوعات الفائدة على الديون الخارجية للسلطنة التي تصاعدت خلال الأعوام الأخيرة. ولا بُدَّ من الإشارة هنا إلى أن هناك جزءًا من دخل الاستثمار المُحوَّل إلى الخارج يُمكن إعادة استثمار جزء منه في السلطنة متى ما وجدت البيئة والظروف المناسبة.

مصدر إضافي آخر لخروج الأموال من السلطنة، يتمثل في مدفوعات القروض إلى العالم؛ حيث لجأت السلطنة للاقتراض الخارجي كنتيجة للانخفاض الحاد في أسعار النفط وأزمة كوفيد-19؛ حيث تُشير الإحصاءات في هذا الصدد إلى أنه خلال السنتين الأخيرتين (2021- 2022) بلغت مدفوعات أقساط الدين الخارجي حوالي 418 مليون ريال عُماني في عام 2021، و2.1 مليار ريال عُماني في عام 2022.

وختامًا.. يمكننا القول إن ميزان الاقتصاد العُماني يعاني من اختلالات هيكلية في كافة قطاعاته باستثناء قطاع النفط والغاز (وإن كان هو الآخر يُصدَّر كخامٍ دون بناء منظومة صناعات في الشق السفلي تُولِّد قيمة مضافة وفرص عمل وتحقق التنويع)، وهو ما يستوجب التعامل بالسياسات والمبادرات المناسبة. ومن أبرز هذه الاختلالات: اختلال الهيكل الإنتاجي نتيجة الاعتماد المُفرِط على استيراد السلع والخدمات والعمالة. وهذا يُسمى بالاختلال الداخلي، ويعنى عدم التناسب بين الطلب المحلي الإجمالي على السلع والخدمات، في مقابل تيار العرض المحلي الإجمالي لهذه السلع والخدمات؛ أي أن هناك أوجه قصور في الإنتاج المحلي، ونقص في أوجه الاستثمار (قد يُعزى ذلك من بين أسباب عدة إلى عدم توفر التمويل أو ارتفاع تكلفته واشتراطاته)؛ لإنشاء وتشغيل محركات إنتاج محلية لتوفير احتياجات المجتمع من السلع والخدمات اللازمة لأغراض الاستهلاك والإنتاج؛ الأمر الذي يستدعي ضرورة قيام الحكومة بإجراء إصلاحات اقتصادية لكسب ثقة المستثمرين المحليين والدوليين، وكذلك أهمية اتخاذ تدابير وسياسات تصحيحية لمعالجة تحدي خروج الأموال إلى الخارج، من خلال تعزيز قدرات الإنتاج المحلي على جذب الاستثمار، لا سيما بعد التحسُّن الملحوظ في التصنيف الائتماني السيادي للسلطنة، وتفعيل مبادرات القيمة المضافة المحلية، والقائمة الإلزامية، وتوفير التمويل الضروري لإنشاء قواعد الإنتاج والخدمات باشتراطات وتكلفة مناسبة، وتبني أدوات جديدة؛ كالتجمعات الصناعية، وتوفير المنظومة والمُمَكِّنات الضرورية لإنجاحها، وغير ذلك من سياسات.

ونؤكد هنا على دور الشركات الحكومية وشركات القطاع الخاص في التعامل مع التحدي المشار إليه؛ كونها اللاعب الحقيقي في ميدان إنتاج السلع والخدمات.

واستنادًا على أبجديات ومبادئ الاقتصاد- والتي لا تخفى حتى على غير المتخصصين- فإنَّ الزيادة المضطردة لخروج الأموال خارج الدورة الاقتصادية المحلية (مقابل السلع والخدمات وتحويلات العاملين ومدفوعات الدخل والفوائد والدين من 20.7 مليار ريال عُماني في عام 2021 إلى 27 مليار ريال عُماني؛ أي ما يعادل 70.1 مليار دولار في عام 2022 بارتفاع نسبته 30%)، يضع البرامج والسياسات والأجهزة والمبادرات الوطنية (القيمة المضافة المحلية- القائمة الإلزامية) وغرفة تجارة وصناعة عُمان وشركات القطاع الخاص، والشركات الحكومية، أمام تحديات قاسية؛ حيث إن استمرار خروج الأموال (التسرُّبات من الاقتصاد) بهذا التسارع، يؤدي إلى المزيد من الهشاشة في منظومة الاقتصاد العُماني، وتراجع مستويات السيولة المحلية اللازمة لتمويل النشاط الاستثماري، وبالتالي تداعيات سلبية على مستويات التكوين الرأسمالي في الاقتصاد العُماني، وزيادة العجز في الفجوة الاستثمارية؛ الأمر الذي يتسبب في تراجع فرص تحقيق مستويات نمو مرتفعة، ويجعل اقتصادنا أكثر عرضة لأي هزة في أسعار النفط، كما يحد من القدرة على توليد فرص عمل مجزية.

لذلك.. سبق أن أشرنا إلى أن شركات القطاع الخاص هي اللاعب الحقيقي للتعامل مع هذا التحدي المُهم، ويجب على الحكومة إدراك أهمية تغيير الأدوار وتفعيل التمكين الحقيقي، وليس الصوري، لشركات القطاع الخاص؛ الأمر الذي يستوجب تحولًا عميقًا ونوعيًا في أدوار غرفة تجارة وصناعة عُمان (وهي أدوار متواضعة حاليًا)، وكذلك الأمر بالنسبة لمؤسسات المجتمع المدني.

ونختم بالقول إنه يتعين علينا فهم دورتنا الاقتصادية وميزان المدفوعات بشكل أعمق، كي نتمكن من معالجة جذور المشاكل، وإطلاق طاقات شبابنا ومزارعنا ومصائدنا ومصانعنا، بدلًا من الاعتماد المُفرِط على استيراد احتياجاتنا من السلع والخدمات والعمالة.