سليمان المجيني
رسمتْ قطر ابتسامة كبيرة بالغرب، ففَغَرَت أفواههم، وأصيبوا بصدمة ثقافية جعلتهم يغيرون نظرتهم لدولنا التي نعتها سياسيوهم بالهمجية تارة والإرهاب والتخلف وبملاحقة النوق والرمال تارة أخرى، رسمت قطر خطًا آخر غير ما ألفوه وتلقفوه، تغيرت لدى القادمين إليها نظرة التعالي والاستكبار التي تحملها عقولهم وقلوبهم، سكنوا الفنادق الفخمة ولم يسكنوا الخيمة التي تحوطها جُزر من الرمال الناعمة، مخروا طرقًا مُسفلتة نظيفة كستها الخضرة، وبها نظم الإنارة لضبطها وتنظيمها، ولم يجدوا الفوضى التي أعتقدوها وتشربوها وافترضوها، وأعجبوا بالتراث والثقافة العربية من خلال قطر.
ليس أدل من ذلك بعض مواطني تلك الدول المنبهرين بالتقدم والتطور وحسن الخُلق في التعامل وطيب الخاطر والتسامح، وحب الغير الذي ملأ الصف العربي تجاههم، والتعاون الذي أصبح شحيحًا في دولهم، وهذا أقل الكثير.
رسمت قطر خطًا مُستقيمًا لتفهيم هؤلاء القادمين من بلاد الغرب، فأغنت المكان بكل المختلفات حتى الدعوة إلى الدين القويم- بلغات مُختلفة- كانت حاضرة، فمن أراد أن يفهم له ذلك، ولم تغفل نشر الثقافة العربية، حتى استخدمت لوحات الإعلانات لنشر تلك الثقافة ونشر تعاليم الإسلام؛ بل احترمت أيضاً مواطنيها وجميع المُسلمين القادمين إليها في الملاعب وخارجها، وفهم الغرب الرسالة على أكمل وجه.
الآراء التي نسمعها في الإعلام ومن القادمين مُفعمة بالتفاؤل والاستبشار، فعدد معتنقي الإسلام الجدد كثر، وآراء بعضهم تدل على أنهم استوعبوا ثقافة البلاد، بل وأرهفوا الحس لسماعها أكثر من مرة، وصوت الأذان أشجى مسامعهم وأسر خواطرهم، بل وحاول بعضهم تقليده ورفعه.
نعم هكذا يمكن أن ندعو لديننا وفهم ثقافتنا، نجلب الغرب بكل قوتنا المادية ونجعلهم يشاهدون كل ذلك رأي العين، وبدفقات قلوبهم، بل نحن مطالبون بذلك، سوف يعتنقون الإسلام لأنهم سيعرفون الحق، وحينما يعرفون سيتبعون، لا يوجد أسهل من تبيان طريق الاستقامة، ومن ذا لا يريد الاستقامة؟! جلبهم إلى هنا يقودهم لمعرفة الثقافة وطريقة العيش والتواضع وتستر النساء، ونكون قريبين لحل بعض الغموض الذي يكتنفهم، بل وربما يجدون الحل من خلال تعاملاتهم ورؤيتهم للأشياء بالعين المجردة.
وهناك فوائد جمَّة لنا من فهم الأشياء الغامضة؛ فلا خسارة مادية تُعادل تصويب فكر البشر وتعزيز النظرة الإيجابية في الحياة؛ فالحرب خدعة وأعتقد أنَّ قطر نجحت بتقدير ممتاز في هذا الجانب، والجهاد بالمال هو نوع من أنواع الجهاد الإسلامي، ولا ضير أنَّ المنجزات الكثيرة التي حدثت في هذه الفترة القصيرة من الاستعداد لكأس العالم 2022 بقطر تخدم البشرية، وهي غاية الغايات.
فلا يغيب عن أعين المُتابع تلك الجهود التي بذلت في قطر من ناحية المرافق المختلفة لتنفيذ كأس العالم، وكذلك الجهود التنظيمية التي لا تقل شأنا من المرافق والتجهيزات، ونظرة قطر لتسخير المال في خدمة أهداف مُعينة جُلها في مساندة البشر أمر في غاية الذكاء والحكمة.
وأؤكد هنا أهمية تضافر الجهود بين العرب لتقديم عروض استضافة الأحداث العالمية التي تضمن تجمع أغلب العالم في تلك الدول ككأس العالم والأولمبياد العالمي وغيرها، وإعداد البلدان المستضيفة بالتعاون بين جميع الدول العربية وبموازنات مُشتركة، لماذا لا يتم التعاون مع ملف المغرب لاستضافة كأس العالم 2030؟ بعد أن ظفرت به ثلاث دول عام 2026 هي الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا، وبما أن العرب استضافوا هذه النسخة من كأس العالم؛ فعليهم الاستفادة من هذه التجربة بل وإغنائها بصريمة ومقدرة تحتم عليها النجاح، النجاح في الظفر بالاستضافة أولاً وبالبرامج الواقعية والمعنوية ثانيا. كل ذلك سيصب في صالح العرب.
قطر لم تيأس من نظرة الغرب من العرب عمومًا لتتصدر هي القائمة؛ بل تحدّت نفسها وأظهرت للجميع أنها بقدر المسؤولية العالمية والعربية، وخلقت حركة دؤوبة في الداخل وما حولها، ونظرة مختلفة تماماً لدى الشعوب الغربية تستمر معها لأجيال قادمة، وتركت كل ناعق ينعق بما يريد، لكن لنفكر مليًا في المشهد لو أنَّ المشاركة كانت عربية جماعية مقننة.
قطر سخّرت المُمكنات لتغير النظرة المأثومة لكأس العالم وما يرافقها من ترف ومجون، وللعرب عموما، وللإسلام خصوصا، ختمتها بصورة لافتة لتسليم كأس العالم من خلال ارتداء كابتن الفريق الفائز للبشت العربي، هذه الصورة ستظل محفورة في مشاهد العالم، وسيتذكر الجميع كيف أن قطر استطاعت قلب التوقعات بتقديم أفضل نسخة لبطولة كرة قدم عالمية بشهادة المراقبين، وأغنت الثقافة الغربية بمصوغات حقيقية وواقعية عن العرب وعن الإسلام؛ فشكرًا قطر.