إستراتيجية مواجهة ركود الاقتصاد الوطني

 

 

 

"السياسات"

 مسلم مسن

يبدو أنَّ ما تمَّ اتباعه إلى الآن من سياسات وإجراءات تتعلق بالشق المالي والنقدي والتجاري يتماشى بشكل تدريجي مع مُجريات الأزمة. فقد توَّج مؤخرا المنشور المالي رقم 16/2020 السياسات المالية -من خلال أداة الميزانية العامة- محاولة تفادي التأثيرات العميقة للأزمة وذلك بإجراء تخفيض إضافي بنسبة 5 بالمائة على الموازنة المُعتمدة لجميع الوحدات المدنية والعسكرية والأمنية لعام 2020م، ليصبح إجمالي التخفيض بنسبة 10 بالمائة والتفاوض مع أصحاب العقارات المستأجرة من قبل الوحدات الحكومية لتخفيض إيجاراتها بنسبة لا تقل عن 10 بالمائة ووقف كافة الحفلات والفعاليات غير الضرورية كالاحتفالات السنوية وحفلات التدشين. ويتوقع أن تؤدي نتائج جملة المنشورات المالية إلى تخفيض يصل إلى 1.3 مليار ريال عُماني من ميزانية عام 2020.

رغم كل ما تمَّ إنجازه من جهود حكومية، تبقى إستراتيجية مواجهة ركود الاقتصاد الوطني من خلال السياسات مسألة في غاية الأهمية، فكلما كانت هذه الإستراتيجية محكمة وذات مرونة وسلاسة وسرعة في الإنجاز، كلما ساهمت في التخفيف من تأثيرات الركود المحتمل رغم أنَّ بعض المؤشرات الكلية الماثلة أمام الاقتصاد الوطني قد تضعف عمل تلك الإستراتيجية وبالتالي تعمق من فترة الركود، فأوضاع الاقتصاد العالمي ليست على ما يرام وأسعار النفط لا زالت بعيدة عن سعر الموازنة وإن تعافت بعض الشيء، والمالية العامة مثقلة بمديونية عالية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي جراء الأزمة النفطية منذ النصف الثاني من 2014، والاحتياطيات منهكة بعدما وقعت تحت وطأة الضغوط لمواجهة العجوزات الفعلية خلال السنوات الماضية، ولكن رغم كل تلك التحديات فإنَّ "إستراتيجية مواجهة حالة ركود الاقتصاد الوطني" لابد أن تعمل على شكل " خليط / مزيج من السياسات المُتجانسة هدفها الخروج من الأزمة بأقل الخسائر وبأسرع الفترات الزمنية، ويمكن تقسيمها وفق الآتي:

السياسات المالية: هي الركيزة الأساسية في التأثير على الاقتصاد قطبها الرئيسي الميزانية العامة والتي يمكن من خلالها استغلال موارد الدولة المالية الاستغلال الأمثل، لتفادي انعكاسات الأزمة المضاعفة (كوفيد-19 + الإغلاق). وبما أنَّ السياسة المالية هي المحرك للنمو بالنسبة لاقتصاد السلطنة وتملك الأهمية النسبية الأغلب في تحريك الاقتصاد للمساحات الموجبة، فإنه من المهم خلال النصف الثاني من عام 2020 – الذي ستظهر به عوارض الركود بشكل واضح- الاستمرار في ترشيد النفقات غير الضرورية وفي ذات الوقت توجيه ميزانية 2020 نحو مُقابلة المصروفات الإنمائية والاستثمارية ذات الطابع الإنتاجي والخدمي، ولو عبر توفير موارد من الاقتراض المحلي والخارجي، لأننا نتوقع أن تسهم هذه المصروفات على الأقل في تهيئة البيئة الاستثمارية والتجارية، لأية عمليات تعافي قادمة. وهنا نقصد تحديدًا أن تسهم السياسة المالية في تعزيز دور القطاعات الخدمية والإنتاجية، فقطاعات الثروة السمكية واللوجستيات والتنمية الزراعية لابد وأن تكون محور السياسة المالية لأنها منطلقات نمو واعدة لمواجهة الانكماش الاقتصادي. وقد تكون المساحة التي يمكن أن تعمل بها السياسة المالية خلال النصف الأخير من عام 2020 وعام 2021 هي عبر تفعيل الأذرع التمويلية والابتكارية والتنفيذية لتلك القطاعات ومنها: الصندوق العماني للتكنولوجيا، وبنك التنمية العماني، ومجموعة آسياد، والمجموعة العمانية للاسثتمار الغذائي "أوفيك"، وزارة الزراعة والثروة السمكية، ومراكز البحوث الزراعية والسمكية، وقطاع أعمال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. إننا نعتقد أنَّ دعم السياسة المالية لتلك القطاعات سيسهم في خلق بعض الفروقات رغم علمنا بأن تعافي قطاع النفط لا زال هو العامل ذو التأثير المحسوس في معادلة التعافي الاقتصادي الكلية.

من جهة ثانية، فإنَّ السياسة المالية الخاصة بشق الضرائب والرسوم لابد وأن تكون مرنة ومحفزة بحيث ينصب التفكير في توسيع الوعاء الضريبي وتثبيت المعدلات والرسم الحالي وتقديم حزم جديدة من الإعفاءات على المتأخرات والتفاوض مع المستثمرين والمستأجرين والشركات والأفراد في كل القطاعات للتخفيف من الكلف المالية وتخطي الأزمة ومعاودة النمو.

توسع أدوات السياسة النقدية: من المهم أن تتوسع الأدوات النقدية خلال النصف الثاني من عام 2020 وعام 2021 في خفض أسعار الفائدة بين البنوك التجارية والبنك المركزي، والمتوسط المرجح لأسعار الفائدة على مختلف المنتجات البنكية الشخصية والإسكانية والتجارية لأنَّ هذا سيسهم في تشجيع الاستثمار وتحفيز الاقتصاد. كما أنه من المهم توجيه التمويل بشكل مباشر للقطاعات الاقتصادية الإنتاجية والتقنية وتفعيل نسبة حصول المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على التمويل من المحفظة الإقراضية للبنوك ومؤسسات التمويل الأخرى. ولابد أن نعي جيدا أنه حتى تعمل الأدوات النقدية بشكل فاعل، على البنوك العمل على ترشيق الكلف التشغيلية وعلى البنك المركزي السماح لمزيد من الاحتياطيات القانونية والتسهيلات أن تتدفق في شرايين علميات البنوك التجارية لأنَّ الوضع استثنائي بكل المقاييس.

السياسات التجارية: نعلم جيداً بأن السياسة التجارية لا تعمل بكامل قواها بسبب الجائحة، لكنها تظل أحد مفاتيح مواجهة نفق الركود وربما الولوج لاحقًا للنمو في عام 2021. إن السياسات التجارية المرتكزة على الاستيراد المباشر تتطلب تضافر جهود القطاع الخاص مع الحكومة رغم أنها تواجه تحديات. أولى هذه التحديات تعزيز جدوى الخطوط التجارية من وإلى أسواق السلطنة عبر تسويق الخدمات اللوجستية للقطاع التجاري بشكل تنافسي لتشغيل تلك الخطوط بكامل طاقتها لتزداد كميات ومعدلات البضائع المصدرة والمستوردة، وثاني تلك التحديات ضرورة الربط الفعَّال للموانئ الكبيرة بالمتوسطة لتعمل تكامليا وتوفير البنى المطلوبة في هذا الشأن في أسرع وقت ممكن. رغم تلك التحديات فإنَّ الفرصة سانحة لجعل سياسة الاستيراد المباشر أكثر فاعلية وليست سياسة مؤقتة لمواجهة أزمة فحسب.

سياسات الاستثمار الغذائي والدوائي: نعتقد أنَّ الأزمة القائمة لفتت نظر المُخططين لمزيد من التفعيل لسياسات وإستراتيجيات الاستثمار الغذائي والدوائي، والتي كانت شبه غائبة عن أجندة الرؤى والخطط ومخصصات الميزانيات وإن حضرت فإنها لا تحظى إلاَّ بمساحات بسيطة جدًا حتى في سنوات الرخاء الاقتصادي والمالي.

ومن هنا، فإنَّ الميزانيات الإنمائية المخصصة للمحافظات يمكن أن تكون مدخلاً جيداً للبدء في تحفيز سياسات واستراتيجيات الاستثمار الغذائي اعتمادا على الميزات التنافسية لكل محافظة بدلاً من توجيه هذه الأموال لمشروعات روتينية. وبالنسبة للاستثمار في القطاع الدوائي فإنَّ عملية جذب استثمار أجنبي مباشر (FDI) ضرورية لنقل المعرفة والتكنولوجيا وإقامة شراكات في هذا الشأن مع دول مثل الصين وبعض الاقتصاديات الآسيوية، الأمر الذي سيمهد الطريق لنمو منتظر لهذا القطاع في السلطنة على المديين المتوسط والبعيد قد لا تظهر نتائجه قريبًا.

تعليق عبر الفيس بوك