الأحد, 08 ديسمبر 2019
26 °c

استدامة التنمية

السبت 21 سبتمبر 2019 10:33 م بتوقيت مسقط

حاتم الطائي

 

 

◄ الاستدامة تعني قدرة المشاريع التنموية على الاستمرارية بيئيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا

◄ الرؤية السامية سبقت الأهداف التنموية للأمم المتحدة في تضمين مفهوم الاستدامة

◄ قادرون على تجاوز تحدي الاستدامة بتكاتف الجهود وتعزيز الشراكة بين القطاعين

 

خِلَال السَّنوات الأخيرة، شاعَ بين المختصِّين بعملية التنمية مفهوم "الاستدامة"، وطبيعتها وكيفية تحقيقها، وآلياتها وأدواتها، والنتائج المترتِّبة عليها، حتى أصبح هذا المفهوم لصيقًا بكل مشروعات التنمية التي يَجرِي تنفيذها على أرض الواقع؛ فلا تجد مشروعًا جديدًا إلا ويضع قيمَ ومعاييرَ الاستدامة على قائمة أولوياته، وباتتْ كل خطة إستراتيجية تتمحوَر حول الاستدامة.

واستدامة التنمية بصِيغَة بسيطة يُمكن أنْ نُعرِّفها بأنها قدرة المشاريع التنموية المتنوعة على الاستمرارية؛ من الناحية: البيئية، والاقتصادية، والاجتماعية.. ففي الجانب البيئي، يجب أن يتَّسم كلُّ مشروع بميزة الحفاظ على البيئة؛ فلا يُلوِّثها أو يضر بتوازنها الطبيعي، أو يعبث بقدرتها على الاستمرار؛ لذا نجد الدولَ المتقدمة لا تسمح بأي مشروع -مهما كان- إلا بعد حُصُول القائمين عليه على تصاريح بيئية تَضْمَن عدم إضرار هذا المشروع بالبيئة، ونحمدُ الله أنَّنا في عُمان نُطبِّق هذه الضوابط في أغلب -إنْ لم يَكُن كل- المشاريع التنموية، خاصَّة خلال العقديْن الأخيرين. أمَّا الاستدامة الاقتصادية، فتُشِير بوضوح إلى المردود المادي لأي مشروع؛ سواءً كان هذا المردود في صُورة عائدات يُحققها مشروع ما، أو مِن خلال قُدرته على توفير نفقاتٍ كانت ستُهدر لولا هذا المشروع، الذي حقَّق استدامةً اقتصاديةً في قطاعٍ ما. وعندما نتحدَّث عن الاستدامة الاجتماعية، فنعنِي الأثرَ الاجتماعيَّ للمشروع، ومردوده على المجتمع، وما إذا كان المشروع مُفِيدا مجتمعيًّا ويخدُم الصالح العام.

ودَيمومة التنمية التي تتحقَّق بفضل الاستدامة، تنعكسُ بصُورةٍ كبيرةٍ على مفهوم آخر، وهو: حماية حق الأجيال القادمة فيما يتم تنفيذه من مشروعات تنموية؛ فالاستدامة هُنا مُعَادِل حقيقي، وضمانة أساسية لانتفاع أبنائنا وأحفادنا في المستقبل بما تحقَّق من مُنجزات ومُكتسبات تمَّ تمويلها من خَيْر هذا الوطن. لذا؛ نتحدَّث دائما عن فكرة الحفاظ على المُكتسبات، وكيف يُمكن أن تحصل الأجيال القادمة على حقها من الثروات الوطنية الآن، والإجابة أنَّ ذلك يتأتَّى عبر تطبيق مفهوم الاستدامة في كل مشاريعنا، صَغُرَت أو كَبُرَت.

وبالنَّظَر إلى ما حقَّقته بلادُنا من مُنجزات تنموية خلال عقود النهضة المباركة، نُدرك حجمَ التطوُّر والتقدُّم الذي تحقَّق، فشتَّان بين الماضي والحاضر من حيث التنمية، ويُمكن لكلِّ من يُشاهد منجزات هذه النهضة أنْ يُدرك بيقين أنَّ القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- وَضَعتْ في مُقدِّمة أولوياتها استدامة التنمية، وتجلَّى ذلك في غير مَوْضِع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: في الخطابات، والنطق السامي لجلالته في مُختلف المناسبات. ومن المؤكَّد أنَّ الإدراك المُبكِّر من لدُن المقام السامي بأهمية الاستدامة في التنمية، هو مَا جعل كل مُنجزات النهضة تقفُ شامخة إلى يومنا هذا في أبهى حُلة؛ لنتأكَّد أنَّ فكر الاستدامة مُتجذِّر في الرؤية السامية للنهضة المباركة، حتى قبل أن تطرح الأمم المتحدة "أهداف التنمية المستدامة" السَّبعة عشر، وكذلك قبل أنْ يتم دَعوة دول العالم -في مطلع العام 2000- إلى تطبيق "الأهداف الإنمائية للألفية"، ومُعظمها يتمحوَر حول القضاء على الجوع والفقر والمرض ومحو الأمية، وإنهاء التمييز ضد النساء.

لذا؛ نجدُ في مَشاريعنا التنموية تطبيقًا للكثيرِ من هذه الأهداف؛ فمثلًا: الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة المُتمثِّل في "القضاء على الفقر" مُتحقَّق في السلطنة -بفضل الله- قبل طرح هذه الأهداف؛ إذ إنَّ مسيرة النهضة المباركة وضعت نُصب أعينها توفير معيشة كريمة لكل أبناء عُمان، وأخذ جلالته -أيَّده الله- على عاتقه تحقيق ذلك؛ فلا فقيرَ في بلادنا بحسب التصنيف الأممي، وأسر الضمان الاجتماعي تجد مِنَ الحكومة ما يكفل لها معيشة كريمة. وهنا نسأل: أليس تحقيق هذا الهدف ناتجًا عن تطبيق مفهوم الاستدامة في كل المشاريع التي تُنفذها الدولة؟ بكل تأكيد: نعم. ودليل تحقق الاستدامة هو قَدر استفادة أبنائنا وبناتنا من هذه المشروعات، وما توفره من وظائف مُلائمة لهم، فضلًا عن فُرص الأعمال التي تُقدِّمها هذه المشروعات التنموية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي يُديرُها رواد الأعمال بكفاءة وتميُّز في مختلف المحافظات والمجالات.

وبالتعريج على عددٍ من الأهداف الأممية للتنمية المستدامة، نَرَى أنَّ وطننا الغالي استطاع -وخلال عقودِ النهضة المباركة- أيضًا أن يقضِي على الجوع، ويوفِّر الصحة الجيدة لنا كمواطنين؛ من خلال المراكز الصحية المنتشرة في أنحاء البلاد، في كل قرية ونيابة وولاية، وهذه المراكز تقدِّم الخدمات الصحية المتطورة، وتُساعد في الحد من الكثير من الأمراض؛ سواء السَّارية بفضل التعامل الفعَّال معها، أو غير السارية من خلال الحملات التوعوية وسرعة الاستجابة مع هذه الأمراض. ويحقُّ لنا كمواطنين نعيش على هذا التراب العُماني المقدَّس أن نفخرَ بأنَّنا لا نُعاني من أي تمييز بين الجنسين؛ فقد كَفَل النظامُ الأساسيُّ للدولة الحقوقَ لجميع المواطنين دون تمييز؛ فنجد في المادة 12 من النظام الأساسي للدولة هذا النص: "العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين العُمانيين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة"، وأيضا المادة 17 والتي تنصُّ على أن "المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس، أو الأصل، أو اللون، أو اللغة، أو الدين، أو المذهب، أو الموطن، أو المركز الاجتماعي". وعندما نتحدَّث عن أهدافٍ أخرى؛ مثل: التعليم الجيد، أو العمل اللائق، ونمو الاقتصاد، أو السلام، والعدل، والمؤسسات القوية، نجد أنَّها مُتحقَّقة بفضل الجهودِ الحثيثة التي تبذُلها مؤسسات الدولة لتحقيق الاستدامة في التنمية. فأهدافٌ عديدة حقَّقتها السلطنة من أهداف التنمية المستدامة، ويُمكننا أن نقول إنَّ نسبةَ التحقيق رُبما تكون وصلت لمعدلات مُتقدِّمة للغاية، وهو ما تُؤكِّده الدراسات والإحصاءات والأرقام الرسمية.

لكن، ورغم كل ما نراه من مُنجزات حولنا توفِّر لنا الرَّخاء والاستقرار والأمان، فإنَّ ثمَّة عنصرًا لا يزال في حاجة لمزيد من العمل كي يُحقِّق الدورَ المنوط به والمأمول منه، ألا وهو دور القطاع الخاص في استدامة التنمية. فبلا شَك أنَّ أكبر تحدٍّ أمام الاقتصادات بشكل عام، والسلطنة على وجه الخصوص، هو الاستدامة، وتحدِّي الاستدامة استطاعتْ الحكومة الرشيدة -بنسبة كبيرة- أن تُطبِّقه وتحقِّقه في كثير من مشروعاتها كما أشرتُ سَلَفًا، ويبقَى الدور على القطاع الخاص، الذي يجب أن يُسهم بصورة أوسع في مجالات التنمية، وِفْقَ معايير تحقِّق الاستدامة. هذا الدور باتَ واجبًا أساسيًّا، ومُهمَّة وطنيَّة عليه القيام بها، وعدم تأجيلها، أو التراجع عنها؛ فهذا القطاع اشتدَّ عُودُه بفضل عجلة التنمية التي لم تتوقَّف منذ بُزُوغ فجر النهضة المباركة، وأسهم في تنفيذ مشروعات التنمية، لكنَّ الدور الذي نُريده الآن من القطاع الخاص أن يُبادر هو بإطلاق مشروعات تنموية تعتمدُ في جَوهرِها مبدأ الاستدامة، من نافذة الاستثمار الاجتماعي، ومن باب المسؤولية الاجتماعية للشركات. وهذا يقُودُنا إلى مفهوم آخر تحدَّثنا عنه في مقالات سابقة؛ وهو: مفهوم الشراكة.

باختصار.. إنَّ استدامةَ التنمية يجب أن تكُون الغاية والهدف لكل مشروع، ولن تتحقَّق هذه التنمية إلا من خلال إيمانٍ عميقٍ بأهمية تعزيز وتعميق الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص في تنفيذ مشروعات من شأنها أن تُقدِّم أفضل الخدمات للمواطن، وتُسَاعد على توفير فرص عمل للشباب، وتعود بالنفع على الاقتصاد؛ بما يكفُل مُواصلة التقدُّم، والعيش في استقرار ورخاء.

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية