الأحد, 17 فبراير 2019
25 °c

مقال : مكاتب واسعة وعقليات متحجرة

السبت 09 فبراير 2019 06:53 م بتوقيت مسقط

 

د. سيف بن ناصر المعمري

 

سأحاول أن افترض انعدام العلاقة بين الطبيعة الجغرافية، وبين وجود عقليات تحمل صفة هذه الجغرافيا، فإن وجدت عقليات متحجرة لدينا فربما ليس بسبب أننا نعيش جغرافية تزخر بطبيعة صخرية في كثير من الأماكن، فأينما نولي وجوهنا فهناك الجبال الشاهقة التي تبعث لنا برسالة عن العلو والشموخ والطموح.

لذلك لماذا يصر البعض على أن يستمد منها صفات سلبيّة خاصة إن تعلق الأمر بالتنمية وإدارتها؟ ولماذا يصر هؤلاء خاصة من لديهم مسؤولية التخطيط أو القرار، على الثبات في زمن التغيرات؟ أسئلة أطرحها هذا الأسبوع وأدرك أنّ هناك إشكالية كبرى حين يطرح الموضوع في القرن الحادي والعشرين قرن التغيرات، وفي سنوات التخطيط للمستقبل، التي تتطلب مرونة وحوارا، وتتطلب مراجعة جادة لوجود العقليات المتحجرة التي تعيق إندماج المؤسسات في طريق بناء المستقبل.

إنّ العقلية المتحجرة لها سماتها التي عرفت بها، ولو سألت عنها أي موظف بسيط سوف يصفها بدقة، فهذه الشخصية لم تعد قادرة على التخفي تحت شعارات المستقبل والحداثة، فهذه العقليات عادة لا يمكنها الحديث إلا في إطار الأفكار التي تربت عليها في السياقات الإداراية المؤسساتية منذ فترة زمنية طويلة، لم يعد من الممكن الاستمرار وفقها ونحن والعالم نرفع شعارات المستقبل والثورة الصناعية الرابعة، وندعو الجميع للانضواء تحت رايات الكفاح والعمل من أجل بلوغ هذه الأهداف. فمثل هذه العقليات تقاوم المستقبل لأنّه يزعزع مكانتها نتيجة إدخال أفكار جيدة على أساليب العمل، وطرق تنفيذها وتقويمها، وبالتالي هي تؤمن أنّ منهجيتها في العمل هي الأكثر نجاحا مهما نادى الآخرين باتباع غيرها، والأخطر في مثل هذه العقليات تعصبها لرأيها وتمحورها حوله، وبالتالي فإنّ فكر هؤلاء يتسم بالركود والانغلاق وكراهية من يعتنقون غيره. فهؤلاء من وجهة نظرهم متسرعين ومغامرين، وليست لديهم تجربة ولا خبرة، وما يملكونه هو مجموعة من النظريات التي لا مكان لها في عالم الواقع، وبالتالي فالعمل ليس بالمؤهلات حتى وإن كان أصحابها خريجو أفضل الجامعات إنّما العمل بالخبرة والممارسة حتى وإن كانت خاطئة، ولذا تشتهر هذه العقليات بمحاربة أصحاب الكفاءات، والزج بهم خارج دوائر اتخاذ القرار، وتسفيههم، ومحاربتهم وعزلهم بأي طريقة كانت، وتميل إلى تقريب أولئك الذين يغذون بداخلها هذا الشعور بالأنا، والتفرد، والنجاح، والحكمة، والذين لا رأي لهم، فهم معه إن كان على خطأ، ومعه إن كان على صواب، ومعه إن كان مترددا، لا يعنيهم العمل ومصلحته بقدر ما يعنيهم مكانهم، وحظوتهم لديه، هم له أشبه بالحواريين لسليمان مع اختلاف الغاية والهدف، ولذا يضفون عليهم صفات المخلصين والأكفاء، والمنتمين، وبالتالي تتعزز حالة الركود الفكري، والإداري في المؤسسة، حتى لا يواجه من يبدي رأيا مخالفا بالخروج من جنة هذه العقليات، التي تنظر إلى جنتها بإعجاب كبير، فأي مستقبل يمكن أن نمضي إليه، وكثير من المواقع على مختلف المستويات لم تهب عليها رياح التغيير؟ وأي نجاح ينتظر الرؤى التنموية في هذه المواقع التي لا ترحب بأي جديد ولا تلتفت إليها فما يعنيها هو تعزيز بقائها بالمريدين والأتباع؟

يزاد الأمر صعوبة حين يُسقط صاحب هذا الانغلاق هذه الصفات على المؤسسة التي ينتمي إليها، ويتحول الأمر إلى نهج مؤسساتي، فتوجد لدينا فئتين من المؤسسات؛ الأولى تواكب التغيرات وتتحول في أنظمتها وأساليب علمها بسرعة، بينما الثانية تكون عكس ذلك تتراجع وتقف ولا يوجد فيها أي مؤشر على التحرر من إرسابات الثقافة النمطية لاتخاذ القرار التي تخشى الاجتهادات التطويرية حتى لا تقع في الخطأ وبالتالي تعرض نفسها للنقد، بل إن بعضها يخشى التصريح الإعلامي، أو نشر خبر بسيط في جريدة عن فعالية أو حدث، فكيف نواجه المستقبل بمثل هذا الفكر؟ بل حتى لو استعانت هذه المؤسسات بخبرات أجنبية واستشارات تقود إلى إضفاء صفة الإنغلاق والتحجر على هذه الخبرات التي أيضا لا يعنيها أن تكون حريصة أكثر من أصحاب الشأن أنفسهم.

أليس من حقنا أن نكون أكثر قلقا ونحن نودع رؤية تنموية مستقبلية جديدة في رحم "بيئة منغلقة" عرفناها أكثر من مرة، وجربناها من قبل، فماذا نتوقع منا؟

نثير هذه الأسئلة، ونعبر عن واجبنا ومسؤوليتنا الوطنية في هذه السنوات تحتم علينا أن نتغير من أجل أن نتغلب على التحديات التي نواجهها في مختلف القطاعات، وآمل ألا تكون العقول صغيرة ولا تستوعب هذه الصراحة، لأننا إن لم نتكئ على الشفافية في الانطلاق إلى المستقبل فلا مستقبل لنا، وبالتالي لابد أن نتحرك من أجل بث عقول مستنيرة في مختلف الأماكن لكي نحرك "رؤية 2040"، فالعمق المؤسساتي الذي تسيطر عليه بعض الأفكار المتحجرة يهدد بعدم تطبيق هذه الرؤية بالكامل. لذا ينبغي أن يتفهم البعض مثل هذه التغيرات من أجل الصالح العام، كما تفهم المواطنون منذ أربع سنوات كثيرا من الإجراءات الاقتصادية التي أثرت على ظروفهم المعيشية، ووافقوا عليها من أجل أن يكون وطنهم أقوى، حتى لا يزيدوا من وطأة التحديات عليه. في المقابل لابد أيضا من أجل الوطن أن تستجيب هذه العقليات للتغيرات، لا تكون معرقلة لمسار التنمية كما حدث في الماضي، وأن تفسح الساحة لإشراك آخرين قادرين على الإسهام في قيادتنا نحو مستقبل أفضل. فما الحاجة إلى أن نوسع من حجم مباني المؤسسات، ونوسع فيها من حجم المكاتب العليا، طالما في النهاية سوف نسلمها إلى "عقليات متحجرة"؟! أليس هذه مفارقة كبرى نعيشها وتجعلنا غير قادرين على فهم الجمع ببين المستقبل وبين الإبقاء على العقليات المتحجرة التي ندرك يقينا أنها لا يمكن أن تتغير، وألا تقود تغيير، ولا أن تخطط للتغيير، فماذا نتوقع؟!