الأحد, 24 مارس 2019
25 °c

مقال : الرجولة بمعناها الحقيقي

الإثنين 14 يناير 2019 06:21 م بتوقيت مسقط

 

فيصل بن زاهر الكندي

 

إنَّ ظاهرة تسلط بعض الأزواج على زوجاتهم يعتبرها البعض نوعاً من التحكم وإثبات الرجولة أمام الأسرة والمُجتمع تسلطاً عاماً يشمل تحركاتها وسكناتها بل وكل ما تملكه حتى تتحول الزوجة إلى رجل آلي يتحكم به بجهاز تحكم عن بعد فلا هو عاملها كزوجة ولا ترك لها حرية العيش كالبشر وبات هؤلاء الأزواج يتخذون من الرجولة شماعة يعلقون عليها تسلطهم.

أيها الزوج المتسلط على زوجته والمتحكم فيها هل تعلم أن القوامة التي بين يديك هي قوامة تكليف وليست تشريف فلست الأفضل عن زوجتك حينما أوكلت إليك مهمة القوامة بل هذه مسؤولية أوكلت إليك وستحاسب عليها هل أديت حقها أم فرطت فيها فالزوج راعٍ في بيته وهو مسؤول عن أهل بيته والمسؤول لابد من أن يُحاسب على الأمانة التي استرعاه الله تعالى فيها.

أيها المتسلط على زوجته اعلم أن الزواج عبارة عن شركة مساهمة رأس مالها المودة والرحمة والتفاهم والحوار البنّاء واحترام الآراء وليست معتقلاً يحرم فيها أحد الطرفين من حقوقه الأساسية حتى تتحول الحياة الزوجية إلى جحيم لا يطاق واعلم أن هدف الزواج هو تحقيق السكن والمودة والرحمة بحيث يستأنس الزوجان بحياتهما وإن انعدم الأنس بين الطرفين فلا قيمة للزواج في هذه الحالة إلا لتحقيق مآرب شخصية.

 

تصف إحدى الزوجات معاناتها مع زوجها فتقول: "زوجي مُتسلط يحاول أن يلغي شخصيتي يهددني دائمًا بالطلاق إذا لم أصغ لأوامره يتحكم في كل أمور حياتي راتبي الشهري وسيارتي تحت إمرته يتدخل بعلاقاتي مع أهلي بكل كبيرة وصغيرة وحتى أبسط أمر في حياتي ولا أستطيع إبداء الرأي" .. وهذا التسلط يتعدى أحياناً إلى الضرب والعنف الجسدي واللفظي المقرون بالإهانة والألفاظ النابية والتخويف.

يوضح أحد المرشدين النفسيين أنّ التسلط الزوجي قد يكون بسبب اضطراب في الشخصية وهو ما يعرف بالشخصية النرجسية التي تتسم بالأنانية والكبرياء والتعالي وتحقير الآخرين وعدم الاكتراث لخسارتهم بل يشعرون بالسعادة عند إيذاء الآخرين لذلك لا نتعجب عندما نسمع عن أزواج لا يجلسون مع زوجاتهم ولا أولادهم بل يقضون مُعظم الوقت خارج البيت ولا يعودون إليه إلا لتناول الطعام والنوم وتصل الاستهانة بالمسؤولية لدى البعض إلى أنَّهم لا يقضون إجازاتهم مع زوجاتهم وأولادهم بل يُخططون لرحلات شخصية وتحول البيت بالنسبة لهم من جنة إلى فندق للاستراحة.

قد تكون الزوجة سبباً في هذا التسلط حين تضع كل أمورها العامة والشخصية تحت إمرة الزوج من أول يوم وقد يكون الشك وانعدام الثقة بالزوجة وضعف شخصيتها سبباً لتسلطه عليها، خاصة إذا انقطعت الصلة بأهلها وأقاربها فتبقى وحيدة بين أنياب المتسلط وتصل الأمور لذروتها حين لا تتجرأ وترفع أمرها للقضاء أو أولي الأمر لحل قضيتها فتبقى معه كالفريسة التي لا فكاك لها من أنياب السبع.

أيها الزوج المتسلط إنَّ الرجولة في معناها الحقيقي هي العطاء والمحبة والحنان والقوة لحماية الأسرة وحفظها ورقيها لا لهدمها وتفكيكها ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم النموذج الذهبي لحسن العشرة مع زوجاته حيث تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: "كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي فيضع فاه على موضع فيّ وأتعرّق العرْق" وتقول أيضا: " أن النبي كان يتكيء في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن وقلَّ يوم إلا وهو يطوف على زوجاته جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس بل دنو المودة والرحمة".

إنَّ الرسول مع عظم قدره ومكانته وانشغاله بأداء الرسالة والدعوة واستقبال الوفود وإرسال الرسل مبلغين دين الله في أصقاع الأرض وتفقده لأحوال الناس مسلمين وغير مسلمين وزيارة المرضى إلا أنه كان القدوة الحسنة لكل زوج مخلص لزوجته فنراه يمتدح زوجاته ويظهر مكانتهن ويتودد إليهن ويعاشرهن بالمعروف ويراعي غيرتهن بل ويشاورهن ويأخذ برأيهن ويسمر معهن ويلعب معهن ويرفق بهن ويأخذ بأيديهن للطاعة ويساعدهن في أشغال البيت ولا يتتبع عثراتهن وكان وفياً لزوجاته حتى بعد مماتهن هذه هي الرجولة في أسمى معانيها لمن يبحث عنها ولمن أراد أن يكون رجلاً بمعنى الكلمة.