الجمعة, 22 مارس 2019
29 °c

مقال : ترامب ونهاية التاريخ

السبت 22 ديسمبر 2018 10:17 م بتوقيت مسقط

حاتم الطائي

 

◄ نظام ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسيادة القطب الواحد؛ أمريكا، قد انتهى بصعود الصين وروسيا بوتين

◄ قوى إقليمية غير عربية ستغطي الفراغ الاستراتيجي الناجم عن الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط

◄ لم يعد لدى العرب ودول الشرق الأوسط رفاهية اختلاق الأزمات فيما بينهم من أجل أهداف غير موضوعية وبعيدة عن أي حنكة سياسية

لم يسجل التاريخ يوما أنّ إمبراطورية ما حكمت أبد الدهر؛ بل إنّ الأحداث العظمى تؤكد حتمية تعاقب وزوال القوة والهيمنة، وفق سيناريوهات مُحددة المصير مسبقا، والتي عادة ما تبدأ بتمدد جيواستراتيجي وتتواصل بفرض نفوذ هنا وهناك عبر سلسلة من الحروب والصراعات الدموية، فتصل إلى مرحلة النشوة والزهو بالقوة والسيطرة غير المسبوقة، ما تلبث أن تتراجع تدريجيا على منحنى هابط نحو هوّة سحيقة، بسبب عدد من العوامل؛ في المقدمة منها تراكم الأخطاء، وصعود النزعة الشعبوية، والشعور الزائف بفائض القوة، فتنتهي هذه الإمبراطورية وتُنسى في غيابات التاريخ..

ولقد روّجت نظرية "نهاية التاريخ" للفيلسوف الأمريكي فوكوياما لسيادة النموذج الأمريكي للعالم، لكن في الوقت نفسه باتت الآن هذه النظرية أحد تأويلات النهاية للإمبراطورية الأمريكية.

والعالم من حولنا يمر بمراحل شبيهة بسيناريوهات الأفول، والإمبراطورية القائمة حاليا وتوشك على التراجع، هي الإمبراطورية الأمريكية، في ظل مجموعة من المتغيرات والانهيار المتسارع للاستراتيجيات. ولسنا أول من يشير إلى ذلك الأمر؛ زوال الإمبراطورية الأمريكية، بل إن أقلاما عدة ومؤلفين كثُر أسهبوا وناقشوا أبعاد تلك القضية، حتى من داخل منظومة الحكم الأمريكية على مر العقد الماضي، بل إن بعض الكتابات ظهرت مبكرا في مطلع التسعينيات من القرن الماضي.

مآلات النهاية الأمريكية التي نتحدث عنها، تتسارع منذ أن وطأت أقدام الرئيس دونالد ترامب عتبات البيت الأبيض، وتعاظمت مع نشوء التيار الشعبوي وارتقائه حتى بات هو الحاكم في المكتب البيضاوي، ولا عجب أن نرى ترامب قبل إتمام عامه الثاني في الحكم الأمريكي وقد نفض عن يديه جميع من كانوا حوله من سياسيين وجنرالات واقتصاديين وأمنيين، جميعهم إمّا تمّ عزلهم أو أنّهم استقالوا، ووزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس آخرهم. فهل حقا يعجّل ترامب- وبالأحرى سياساته- في محو النجوم الأمريكية التي تزين علم الولايات المتحدة؟!

الإجابة عن هذا التساؤل تتضح عبر سرد مجموعة من النقاط، أولها أنّ العالم في المرحلة الآنية يمر بموجات من الصراع بين الولايات المتحدة من جهة، والصين في الجهة المقابلة، ومراحل هذا الصراع تسهم بصورة رئيسية في إعادة هيكلة النظام العالمي، فنظام ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسيادة القطب الواحدة؛ أمريكا، قد انتهى بصعود الصين وروسيا بوتين، فالمتغيرات الجيواستراتيجية تبدلت على الأرض، وكذلك التطور المعرفي ومخرجات الثورة الصناعية الرابعة وتأثيراتها على قضايا الأمن القومي وصناعة القرار العالمي، كلها تؤذن بانقضاء هذا النظام، وبزوغ فجر نظام جديد.

وهذا النظام الجديد يتشكل من رحم الشيخوخة الأمريكية، التي بدأت في مرحلة ما بعد تفاقم الضعف الاقتصادي الأمريكي المثقل بتريليونات من الدولارات، سواء في الديون السيادية أو في العجز المالي أو تكلفة الحروب والمغامرات العسكرية الخارجية. وفي المقابل تصعد قوى فتية جديدة من الشرق الآسيوي نحو المشهد تمهيدا لتصدره، فالصين كعملاق اقتصادي- إضافة إلى العوامل الاستراتيجية والسياسة الخارجية الناعمة التي تنتهج مسار "الهيمنة عبر التنمية" بدلا من "الهيمنة عبر صناعة الأزمات والحروب" وخلق حروب تسليح بين القوى الإقليمية- تبدو أقرب من أي وقت مضى من بسط سيطرتها على العالم، سيطرة تختلف بالكلية عن تلك الأمريكية.

لكن في المقابل تبلوُر هذا النظام العالمي الجديد- الذي نتحدث عنه- سيمر بمراحل تحول مختلفة، وسيتخذ أشكالا عدة في مخاضه الذي من المؤكد أنّه سيكون عسيرا، منها على سبيل المثال الحرب التجارية بين إدارة الرئيس ترامب والصين بقيادة الرئيس شي جين بينج، فرغم "الهدنة" التي تم الإعلان عنها قبل أسابيع بشأن تأجيل فرض رسوم من قبل الجانبين، إلا أن الواقع يشير إلى أنّ الإدارة الأمريكية لن تصمد طويلا أمام تمدد نفوذ التنين الصيني، فهو مع مرور الوقت ينمو ويحقق معدلات ازدهار اقتصادي في وقت يبحث فيه العالم عن قشة النجاة من براثن أزمة عالمية جديدة تتشكل في الأفق، سيكون عنوانها الأبرز الديون والضعف الاقتصادي. فأوروبا المريضة تعاني من أعراض خروج بريطانيا، ومخاوف انهيار التكتل الاقتصادي الأقوى في العالم، إضافة إلى صعود الشعبوية واليمين المتطرف في أكبر اقتصاديْن؛ ألمانيا وفرنسا. وعلاوة على ما سبق، تمثل احتمالية نشوب حروب بالوكالة في نقاط الالتهاب حول العالم مقدمة لما ستؤول إليه الأوضاع وعوامل تشكل النظام العالمي الجديد، ولنا في أوكرانيا بالشرق الأوروبي مثالا، وبحر الصين والقضيّة التايوانية في آسيا نموذجًا آخر، فضلا عن منطقتنا العربية والشرق الأوسط برمته.. جميعها نقاط ساخنة قابلة للاشتعال في أي لحظة، فقط تنتظر من يقدح نيرانها، فتأكل الأخضر واليابس. كما أنّ أحد أبرز ملامح تشكل النظام العالمي الجديد يُفجر صراعات السيطرة على مصادر الطاقة، والمواقع الاستراتيجية، وبناء التحالفات بين الدول، وهي عمليات تستغرق وقتا.

وبوضع عدسة مكبرة على إقليمنا الشرق أوسطي، يتضح أن انعكاسات السياسة الأمريكية بقيادة ترامب، تلقي بظلالها على استقرار هذا الإقليم وميزان القوى في المستقبل القريب، فالانسحاب الأمريكي التدريجي من الشرق الأوسط مؤكد أنّه سيحدث فراغا استراتيجيا يتعين ملؤه عبر إيجاد قوة أو قوى إقليمية غير عربية. فالشاهد وخلال العقود المنصرمة، أنّ الولايات المتحدة عندما تضع جزءًا من ترسانتها العسكرية في أي بقعة ثم تخرج منها، تتفاقم الأوضاع، وكأنّه سيناريو معد سلفا، ولنا في تبعات غزو العراق أو أفغانستان المثال. فما الذي حلّ بالعراق في مرحلة ما بعد بول بريمير (الحاكم العسكري الأمريكي للعراق بعد الغزو وانهيار النظام البعثي)؟ وماذا حلّ بأفغانستان عقب الإطاحة بطالبان، وتدمير الدولة الأفغانية؟ ولنا أن نشير هنا إلى محادثات السلام القائمة الآن بين طالبان وواشنطن والتي من المتوقع أن تسفر عن أول اتفاق للسلام بينهما!

والخروج الأمريكي من سوريا، من شأنه أن يعيد تشكيل المشهد السوري من جديد، نظرا لاختلال ميزان القوى، ونحن لا نبرر بكل تأكيد التواجد الأمريكي في سوريا، فالأزمة السورية برمتها ناجمة عن سلسلة من الأخطاء المتتالية، لا مجال للحديث عنها هنا، لكن في المقابل تعمُّد إحداث فراغ استراتيجي سيمهد الطريق لقوى إقليمية أن تفرض نفوذها، فضلا عن إعادة الروح لتنظيمات مسلحة أُشيع أنّه تمّ القضاء عليها، وهذا ما قد يخلق حربا جديدة، لاسيما وأنّ ترامب برر سحب قواته من سوريا بأنّ هناك دولا إقليمية أخرى يجب أن تدفع ثمن الحرب وأن تخوض عمليات القتال بنفسها، وأنّ واشنطن لن تحارب نيابة عن أحد.

ويبقى السؤال: هل بالفعل بوادر سقوط الإمبراطورية الأمريكية بدأت وأنّ العالم خلال بضع سنوات أو عقود سيتحدث عن الهيمنة الأمريكية وكأنّها "قراءة في التاريخ"؟ الإجابة هذه المرة ربما نجدها في العدد الكبير من المؤلفات والمقالات التي تناولت ذلك على مدى العقد المنصرم.. فمن المحلل الأمريكي البارز فريد زكريا في كتابه "العالم ما بعد أمريكا"، و"نار وغضب" لمؤلفه الأمريكي مايكل وولف، ومقالات الكاتب البريطاني الشهير ديفيد هيرست، وكتاب "دونالد ترامب وشي جين بينج.. المتدربان السحرة" لمؤلفه الفرنسي كريستيان سانت إتيان خبير الاقتصاد الصناعي ورئيس معهد فرنسا الاستراتيجي، وغيرها الكثير؛ يمكن قراءة الإجابة باستفاضة وإسهاب. ولذا، لم يعد لدى العرب ودول الشرق الأوسط رفاهية اختلاق الأزمات فيما بينهم من أجل أهداف غير موضوعية وبعيدة عن أي حنكة سياسية؛ بل إنّ الواقع يفرض سطوته علينا بضرورة الاتفاق، لن أقول الاتحاد في المواقف؛ بل الاتفاق على أبجديات الصراع والتحالف، فلا نريد لمقولة "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض" أن تلوكها الألسن، ونأمل أن تنتشر مفردات التنمية لا عبارات الحروب، ونسعى كي يسود البناء لا أن يتفشى الهدم، ننشد السلام، فالسلام مفتاح الرخاء والتنمية والبناء.