الأحد, 24 مارس 2019
32 °c

مقال : المعاني المُلتبسَة لدولة المؤسسات

السبت 15 ديسمبر 2018 08:06 م بتوقيت مسقط

د. سيف بن ناصر المعمري

المؤسَّسة هي اختراع إنساني ظهر مع تزايد ترسيخ المواطنة كإطار حاكم للعلاقات الإنسانية السياسية؛ حيث نُزِعَت السلطة من الأفراد لكي تتولاها المؤسسات؛ لأنَّ الأفراد يذهبون وتبقى المؤسسات تقوم بعملها المحوري في تنظيم حياة المواطنين وصيانة حقوقهم، والحفاظ على ثرواتهم بحيث لا يستطيع أحد أن يطال شيئا منها إلا بقانون.

وإنْ حدث ذلك، فهو مُعرَّض للمحاسبة التي تردعه وغيره من أن يقترفوا نفس الذنب مرتين؛ لأنَّ هناك حارسًا يقظًا لا ينام، ولا يأتمر بأحد، ألا وهو القانون الذي يَنقاد له الجميع أيَّا كانت منازلهم ومراتبهم، وصفاتهم وجذورهم، وألوانهم وأطيافهم، وسلطاتهم، وأموالهم وتحالفاتهم؛ مما يكفل للدول ليس الاستقرار، إنما التقدم والعدالة والثقة، ووفقا لهذا تم تصنيف الدول؛ فهناك دولة مؤسسات، وعلى نقيضها توجد دولة اللامؤسسات.. فما المقصود بدولة المؤسسات؟

قد يبدو أنه لا حاجة لطرح مثل هذا السؤال الذي يَعرف الجميع إجابته؛ بدليل أنَّ مصطلح دولة المؤسسات على ألسنتهم، وفي خطاباتهم، وفي كتابتهم، فما الجديد الذي يمكن أن يقال عنها؟ في الواقع يبدو أن هناك خلطا في الفهم بين دولة المؤسسات وبين وجود وزارات وهيئات تقوم بهمام حكومية معينة؛ فما تحمله المؤسساتية أعلى من ذلك، ومتى ما عرفنا تلك المعاني المجهولة لنا أو تلك التي نتجاهلها عمدا، نستطيع أن نحدد كيف يمكن أن يكون ترسيخ المؤسساتية عاملا كبيرا في صناعة واقع مُختلف لمختلف القطاعات: الاقتصادية، والتعليمية، والثقافية، والاجتماعية.

دولة المؤسسات هي الدولة التي تُؤمن بالعديد من الأشياء التي لا غِنى عنها لكي تصبح الدولة قوية ومستقرة، وقابلة للنمو، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات والمشكلات التي تطرأ خلال فترات مختلفة، ومن هذه الأشياء التي ترتبط بدولة المؤسسات: وجود مؤسسات فاعلة منتجة تؤدي مهامها وفق رؤية واضحة يمكن قياسها والحكم عليها، وكذلك تحديث التشريعات التي توفر الحرية للجميع من مؤسسات وأفراد؛ ليقوم بأقصى ما يملكون من قدرات على إنجاز مسؤولياتهم، وكذلك وجود سياسات مالية ونقدية واضحة يُمكن معرفتها؛ وبالتالي تتمتع بالمصداقية والشفافية التي يُمكن لأي مواطن بسيط مهتم أن يعرفها، ويعرف من أين تأتي الأموال وأين تُصرف، وهل هناك خلل، وأين هو، ومن المسؤول عنه؟ علاوة على ذلك تعني المؤسساتية وجود سياسات وإجراءات فعالة لمحاربة الفساد وتتبعه، والكشف عنه ومحاكمة مقترفيه، كما تعني أيضا زرع الثقة في الفرد المواطن باعتباره أداة للتغيير، ورأسمال قابل للاستثمار؛ مما يجعل المؤسسات تعمل على استغلال قدراته المختلفة لتحقيق أهداف الوطن -أي في إطار المؤسساتية- الجدارة للكفاءة والمهارات لا للمعرفة والمحسوبيات، لا يمكن أن يُعيَّن أحد إن لم يكن لديه ما تنتفع به المؤسسة، ولا يمكن أن يبقى أحد في مؤسسة إن كان يعيقها عن القيام بمهامهما الجسمية، ولا يمكن أن يمضي الإخفاق بدون مراجعة، ولا يمكن أن يمر الفشل بدون محاسبة. فإذا كانت الأمور تجري بخلاف ذلك، فلا يمكن أن تدعي أي دولة أنها دولة مؤسسات، قد تكون لديها مؤسسات لكنها تفتقد للنظام المؤسساتي الفاعل الذي يتحرك في إطار قانوني يُسيِّر الجميع بدون استثناء، لا يسيّره البعض لمآرب خاصة، ويمنح البقية سلطة لتغيير ذلك من أجل الحفاظ على الصالح العام للبلد.

إنَّنا حين نعيد النقاش حول مفهوم دولة المؤسسات، نؤمن جميعا بأننا في طريق يتطلب الكثير من العمل، ليس على صناعة المؤسسات؛ فهذه مهمة أنجزت ولله الحمد، ولكن علينا الآن العمل على صناعة آليات وأطر قانونية تجعلها فاعلة، وتحد من الممارسات السلبية للإدارة التي يشاهدها الجميع، ويسمعون عن قصصها المحزنة التي لا نهاية لها، إنَّه تطلع لمرحلة تكون المؤسساتية هدفا وممارسة تضمن الاهتمام ليس بإنجاز المسؤوليات بأي شكل، وإنما تقديم أداء جيد ورشيد وممارسات سليمة يكون فيها استغلال أمثل للموارد المادية والبشرية، ويكون فيها اقتناص للفرص المتاحة لا تفويتها، ويكون فيها إعلاء للكفاءة والخبرة والقدرة، لا إعلاء للعلاقات الشخصية، حتى وإن أحدثت شللًا في أداء المؤسسة، وعطَّلت من أدائها لدورها الرئيسي في المنظومة الكبرى للدولة؛ وبالتالي لم تعد المؤسسية ضمانا  للاستقرار، بل هي مهدد له؛ لأنها تبدد الموارد وتفوت الفرص، وتهدر الطاقات البشرية في إطار صراعات شخصانية لا نهاية لها؛ فهل هذا سيساعد في الانتقال إلى مستقبل أفضل، ويعزز من القدرة على مواكبة الثورات المتوقعة صناعيا وتقنيا؟

لا شك أنَّ هناك حاجة كبيرة لمراجعة مسألة المؤسسية مع كلِّ ما يطلق من تصريحات ومشاريع ومبادرات حول مواكبة الثورة الصناعية الرابعة واقتصاد المعرفة والذكاء الصناعي؛ لأنه بدون مؤسسات فاعلة لا يمكن إطلاق إمكانات الأفراد لإحداث التغيير ومواكبة ما يجري من تغيرات في العالم، هناك ما يمكن أن أطلق عليه "جمود مؤسساتي"، يواكبه "ركود"، وفي كثير من الأحيان "إدارة سلبية" تشل حركة المؤسسية ورسوخها ونموها وقدرتها على تغيير الذهنيات، وفتح المجال لرياح التغيير في أن تتسلل لتنشأ مُؤسَّسات تُدرك أنها أقوى ممن يديرونها، وأبقى من الذين يمرون عليها، وأنها في خدمة غاية وطنية كبرى لا في خدمة غايات فردية ضيقة.