السبت, 22 سبتمبر 2018

مقال : في الأزمات تتغير القناعات

الأربعاء 12 سبتمبر 2018 06:32 م بتوقيت مسقط

في الأزمات تتغير القناعات

 

نجاة بنت صالح الكلبانية

 

إنَّ الأزمات هي أكثر الأوقات التي نتعلم منها لأنها تسمح لنا أن نرى المواضيع من زاوية جديدة لم نحتج لاستخدامها سابقاً أو لربما لم نكن نعلم بوجود تلك الزاوية من قبل.

الأزمة المالية الحالية في البلاد - وإن كان البعض قد استخدمها  للتذمر وإلقاء اللوم مع الكثير من الحسبلة والحوقلة - فهي تمنحنا جميعاً فرصةً للتأمل في الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا الوضع والتبعات التي تترتب من جراء الأزمة الحالية. كما تجعلنا نراجع مجموعةَ قناعاتٍ تشكلت لدينا ولربما أصبحت أموراً مسلماً بها.

هناك مجموعة من القناعات المكتسبة والتي أود أن أفندها في مقالي هذا على ضوء الأزمة الحالية:

أولاً: "مال عمك ما يهمك" هذه إحدى أكثر العبارات شيوعاً والتي يستخدمها من يؤمن بها ليُقدم مسوغاً لاستهتار الغير بالمال أكانت ملكية هذا المال تعود لفردٍ أو لجهة. والخطأ في هذا المثل هو أنَّه يرفع عنك مسؤولية الاستهتار حيث إن المال ليس مالك وبالتالي لا ضير من صرفه كيفما تحب. فكم من إنفاق تم من ميزانيات جهات حكومية على هذا الأساس حيث تعامل الأفراد مع المال العام وكأنه مال العم الذي لا يهمنا تبديد ماله!  والسؤال هنا لم لا يتم تغيير هذه القناعة فيصبح السؤال: "ولم يضيع مال عمي؟"  ألست أنا أحق بهذا المال من تضييعه؟ أليس من الوارد أن يؤول هذا المال لي يوماً ما؟ ألنُ يصيبني الندم حينئذ بأنني قد استهترت بمال كان من الممكن أن يكون في يدي الآن بدلاً من ضياعه؟ فنبني بذلك قناعةً جديدة وهي "مال عمي يهمني لأنه عمي".

ثم إن المال مال الله وتبديده حرام سواءً كان في يدك أو في يد عمك. فهل ترتبط -على سبيل المثال-حرمة الإسراف بالبلد الذي أنت فيه؟ هل الإسراف حرام في عُمان ولكنه يصبح حلالاً في الولايات المتحدة الأمريكية؟

ثانياً: "فلوس الحكومة ما فلوسنا" لدينا إشكالية فيما يتعلق بالملكية الخاصة والملكية العامة فما تبنيه الحكومة وما تملكه الحكومة لا يُعامل معاملة الملكية الفردية. وهذه مشكلة كبيرة حيث إنه وبمجرد الاعتقاد بأنَّ هذه الممتلكات ليس للأفراد نصيبٌ فيها، تصبح فرصة الاستهتار بها وإهمالها واردة بشكل كبير. يتعين عند البعض أن يكون المال محسوساً بين أيديهم حتى يشعرون أنه بالفعل مالهم. ما نحتاجه نحن هو أن نصل بالأجيال الشابة للاستشعار بأن المدرسة والمركز الصحي والمستشفى والمركز التجاري وعمود الكهرباء هي جميعها ملكٌ لكلٍ منّا وأن الاستهتار وإلحاق الضرر بها هو في الأصل استهتار بملكياتنا الخاصة.

ثالثاً": "الأجيال الجاية لها رب وبيرزقها". ومن منِّا لا يؤمن أن الله هو الرزاق المعطي يرزق كل دابة في الأرض والسماء؟  ولكن هذا لا يُلغي أهمية التعامل مع المال بمسؤولية. فالإسلام ينهى عن الإسراف والتبذير والمبالغة في المظاهر وكما وضع الدين قوانينَ للزكاة وشجع على الصدقة والإنفاق في وجوه البر المختلفة وضع كذلك قوانين الميراث والمواريث ودعا إلى كتابة الوصية واعتبر أن خيرَ درهم تنفقه هو ما أنفقته على أهلك وولدك.

فالإسلام وضع القوانين التي تحمي حقوق الأجيال القادمة. ففي سؤال سعد بن أبي وقاص لرسول الله حين قال‏:‏" يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِى بِمَالِي كُلِّهِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ لا، قُلْتُ‏:‏فالشَّطْرُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ لا، قُلْتُ‏:‏ الثُّلُثُ، قَالَ‏:‏الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً، يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةُ تَرْفَعُهَا إِلَى في امْرَأَتِكَ،  وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ،  فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ."

فركز الرسول الكريم على جانب مهم وهو "أن تدع ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تدعهم عالة" ولم يقل عليه الصلاة والسلام اتركهم لله وهو سيغنيهم.

الإيمان بأنَّ الرزق من الله لا يتعارض مع التخطيط لمُستقبل الأجيال القادمة. هناك مسؤولية عظيمة تقع علينا جميعاً بألا نسرف في استخدام الموارد المالية الحالية وأن نُحافظ على حصة أجيال المستقبل فيها فضمان توافر سبل العيش الكريم للأجيال القادمة هو مسؤوليتنا نحن وضمان استمرارية تلك السبل سيصبح مسؤوليتهم هم.

[email protected]