الخميس, 15 نوفمبر 2018

مقال : "وما علمناه الشعر وما ينبغي له"

الأربعاء 15 أغسطس 2018 07:43 م بتوقيت مسقط

محمد علي العوض

 

من واقع استحسان الرسول – صلى الله عليه وسلم- لأبيات كعب بن زهير "بانت سعاد فقلبي اليوم متبول" ومكافأته عليها بالبردة الشريفة؛ خلصنا إلى أنّ موقف الإسلام من الشعر ومن العملية الإبداعية عموما كان إيجابيا، وأنّ الإسلام فرّق منذ بدايته الأولى بين الكلام العادي الذي يدور في الحياة اليومية لأغراض عملية ويحاسب صاحبه عليه صدقا وكذبا وإساءة وإحسانا وتتم فيه مطابقة الفعل بالقول؛ وبين الكلام الفني الذي يهدف إلى إثارة المشاعر وترقيق الأذواق وصناعة التشكيل الجمالي ولا يحاسب فيه بمعايير الكلام العملي اليومي، وإنما بمعايير أخرى؛ والخلاصة هنا أنّ الإسلام لم يعامل الكلام الإبداعي الجميل بمعايير الكلام العادي العملي" بل توسع في الإصغاء إلى اللغة الفنية.

وبرغم ذلك لم تشر كتب التاريخ أو السيرة النبوية إلى أنّ نبي الإسلام قد نظم الشعر أو أنّه أنشد بيتا كاملاً، وربما ينشد الشطر الأول من البيت ويسكت كما في الحديث: "أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ" حيث اقتصر القول على هذا الشطر ولم يكمل الشطر الثاني (وكل نعيم لا محالة زائل). وأحيانا يعكس صلى الله عليه وسلم مفردات البيت تقديما وتأخيرًا، فحينما أتاه العباس بن مرداس قال له الرسول الكريم: أنت القائل:

فأصبح نهبي ونهب العبيد

بين الأقرع وعيينة

فقال سيدنا أبو بكر الصديق والذي كان مجالسا النبي: بين عيينة والأقرع يا رسول الله، فقال الرسول: هما واحد، فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله: "وما علمناه الشعر وما ينبغي له".

وعلة العلماء في امتناع سيدنا محمد عن نظم الشعر نفي الظنية التي حاول المشركون إلصاقها به صلى الله عليه وسلم حين قالوا عندما سمعوا القرآن إنّه شاعر؛ ليجيبهم الرحمن (وما علَّمناهُ الشِّعرَ وما ينبغي له إنْ هو إلَّا ذِكرٌ وقرآنٌ مبينٌ).

وحين بلغه أنّ قوما نالوا أبا بكر بألسنتهم، صعد المـنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيّها الناس ليس أحد منكم أمِنَ عليّ في ذات يده ونفسه من أبي بكر، كلكم قال لي كذبت، وقال لي أبو بكر صدقت، فلو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ثم التفت إلى حسان فقال: هات ما قلت فيّ وفي أبي بكر، فقال حسان:

إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة

فاذكر أخاك أبا بكر بمـا فعلا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت يا حسان، دعوا لي صاحبي. قالها ثلاثا.

وأباح رضوان ربي عليه نظم الشعر واستحسنه عند أصحابه، فقد جاء في "تفسير الخازن" و"الأغاني" قول جابر بن سمرة: جالست النبي أكثر من مائة مرة، فكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية، وهو ساكت فربمـا تبسم معهم، وكان يستنشد الصحابة أشعار الجاهليين ويستمع معهم إلى ذلك، فقد روي أنهه جلس في مجلس من الخزرج، فاستنشدهم شعر قيس بن الخطيم، فأنشدوه بعضا من شعره. وكان صلى الله عليه ذواقا للشعر ويفهمه فعندما أُنشد لديه قول أمية بن أبي الصلت:

زحل وثور تحت رجل يمينه

والنسر للأخرى وليث يرصد

قال: صدق، هكذا صفة حملة العرش.

وكان يستعين بسماع الشعر على قطع المـسافات في السفر، فيطلب من يحدو وينشده، وهو يستمع إليه بكل جوارحه مطربا.

كان في ليلة على سفر، فقال: أين حسان؟ فقال حسان: لبيك يا رسول الله، وساعديك. قال: أحد. فجعل حسان ينشد والنبي يصغي إليه، فما زال يستمع له وهو يسوق راحلته حتى كاد رأس الراحلة يمـس الورك، طربا لنشيده، فلما فرغ، قال له الرسول: لهذا أشد عليهم من وقع النبل.

وطلب من حسان ذات يوم أن ينشده من شعر الجاهلية؛ فأنشده حسان قصيدة الأعشى في علقما. فنهى النبي حسان من تلاوتها، وقال له: لا تعد تنشدني هذه القصيدة. فقال: يا رسول الله، تنهاني عن رجل مشرك مقيم عند قيصر؟ فقال: إن قيصر سأل أبا سفيان عنّي فتناول مني، وسأل علقما فأحسن القول، فإنّ أشكر الناس للناس أشكرهم لله تعالى.

كان الشعر أحد أسلحة ذلك الزمان واتخذه المشركون للهجوم على الإسلام، فقرر الرسول الكريم أن يمتلك هذا السلاح ليفوت الفرصة على أعدائه؛ فطلب من الشعراء أن يردوا على قريش، وأن ينصروه بألسنتهم كما نصروه بأسلحتهم، فقال: "ما يمـنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟" فأجابه إلى ذلك حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة.

ويروى أيضا أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ألا رجل يرد عنا؟ قالوا: يا رسول الله حسان بن ثابت، قال: اهجهم، والله هجاؤك أشد عليهم من وقع السهام في عبس الظلام، اهجهم والق أبا بكر يعلمك الهنات. وكان الرسول يدرك صعوبة أن يهجو الشاعر قريشا ولا يصيبه من ذلك شيء، فقال لحسان: اهجهم، وإني أخاف أن تصيبني معهم بهجة بني عمي. فقال حسان: لأسلنك منهم سل الشعرة من العجين ولي مقول يفري ما لا تفريه الحربة، ثم أخرج لسانه، فضرب به أرنبة أنفه كأنه لسان حيّة. وكان الرسول يثنى على شعراء الإسلام، وقدر دورهم في محاربة المـشركين ليشد من أزرهم، ويشجعهم على الاستمرار في ذلك النضال. فقال: هؤلاء النفر أشد على قريش من نضح النبل. وخاطبهم مرة قائلا: اهجوا بالشعر، إنّما المـؤمن يجاهد بنفسه وماله، والذي نفس محمد بيده كأنما تنضحونهم بالنبل.

وخصّ صلوات ربي عليه حسانا بالعناية والرعاية أكثر من الشعراء الآخرين، لأن شعره ذو أثر كبير على المـشركين ولأنّه كان أعظم شعراء الجانبين، فكان المـشركون يخشون لسانه ولكلماته وصوره الشعرية التي تتميّز بقوة العاطفة الدينية وطابع روح الإسلام.

عرف الشعراء تأثير الشعر على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، فاتخذوه وسيلة يستشفعون بها عنده، كلامية كعب بن زهير" البردة" – أعلاه- حين جاءه مستشفعا، وكان عليه السلام يستجيب للشعراء فينصر ضعيفهم ويغيث مستغيثهم، ويتألم لألمـهم. فلما اعتدت بنو بكر حليفة قريش على قبيلة خزاعة حليفة النبي الكريم بعد صلح الحديبية ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم بعدوانهم على خزاعة؛ جاء عمرو بن سالم الخزاعي للرسول الكريم مستغيثا وطالبا النصرة ومناشدا الرسول وهو جالس في المـسجد بين أصحابه:

يا رب إنّي ناشد محمدًا

حلف أبينا وأبيه الأتلد

قد كنتم ولدا وكنا والدا

ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا

فانصر هداك الله نصرا اعتدا

وادع عباد الله يأتوا مددا

فاستجاب له رسول الله، وقال: لبيك لبيك ثلاثا.. وكانت هذه الحادثة سببا لفتح مكة.

[email protected]