الأحد, 24 مارس 2019
27 °c

مناجم الذهب (الحلقة الأخيرة)

مقال : الوصول إلى الكنز

الأحد 06 مايو 2018 09:46 م بتوقيت مسقط

 

 

عائشة البلوشية

 

"روان الهنائية" فتاة تمتلئ بالحياة وحب عمان لم تتجاوز ربيعها الثامن عشر، تعشق التصوير، تتحول إلى معين للأحاسيس كلما سلبت لواحظها لوحة أو صورة ذات معنى، كانت تقلب صفحات كتاب "عمان من السماء"، ثم أطلقت تنهيدة تعبر عن شدة إعجابها بإحدى اللقطات لشلالات وادي النخر التي تنحدر من ارتفاعات "جبل شمس"، في إحدى مواسم الأمطار الثرية، فقالت وكأنها تهمس لنفسها "يا الله المنظر كأنه من إحدى مصاهر سبائك الذهب التي نراها في التلفاز"، فلمست كلماتها شيئا في نفسي، لأنني لم أملك أمام تلك اللوحة التي وقعت في حبها عندما رأيتها لأول مرة، سوى أن أجد فيها معان أكثر وأعمق من مجرد صورة لشلال ماء جميل، بل رأيته شلالا من الذهب يصب من أعلى قمة جبل شمس، ويهطل بدفق عجيب مشكلا بركة من تبر في بطن الوادي؛ هذه اللقطات وغيرها، رغم أنها لقطات بزوايا مختلفة، التقطتها عدسات الجمال، إلا أنها تنعكس في عين الناظر إليها إلى أثمن المعادن و الأحجار الكريمة.

كان هذا هو شعوري في ذلك اليوم عندما  دخلت إلى تلك الغرفة الخاصة التي يقوم والدي -رزقني الله حسن بره- فيها بتجميع كل مقتنياته من نفائس الصور و الأفلام، لم أملك أي قدرة على التعبير اللفظي سوى ترديد عجز البيت في قصيدة نزار قباني الشهيرة: (الصمت في حرم الجمال، جمال)، أخذت بتلك اللوحة الرائعة لشلالات وادي النخر، فتحولت إلى كتلة من الأحاسيس المترجمة إلى رجاء صادق بأن اقتنيها، ورغم أنني شاهدت العديد من الصور أو اللقطات لذات الشلالات في المواسم المطيرة، للعديد من المصورين، لكن تلك اللوحة بالذات جاءت من ارتفاع مختلف، وبعد آخر أضفى عليها روعة ورونقا مختلفا تماما، وهو شعور أعيشه مع كل صورة أو لوحة تقع تحت ناظري لكل ذرة من هذه الأرض الناضحة جمالا، والنابضة حمدا وإجلالا، فعمان أرض الغبيراء، كل ذرة فيها تتحول إلى منجم للذهب، وهذه الحلقات كانت قصة لعين شخص واحد يعيش مشغوفا بعمان، ويصر في كل محفل أن يشجع كل عماني أن ينظر إلى زوايا الجمال المبثوثة في كل اتجاه، ويرجو من كل فنان أن يرسم، وكل مصور أن يعمل عدساته، ومن كل شاعر أن ينظم أبياته، مرددا على الدوام أننا مهما رسمهنا أو كتبنا أو صورنا لن نصل إلى الإلمام بمفردات الثراء المكنون في كل ذرة من تراب عمان، عمان الطبيعة والتأريخ والإنسان، عمان (أرض السر المكنون وطلسم الزمان المدفون)، ففي كل شبر سر لم يسبر أغواره مستكشف بعد، وفي باطن كل حجر حكاية لم تسمع بعد، وفي خلطة كل مدر رواية لم تروَ بعد، وفي ظل كل شجرة معمرة بقايا قوافل استظلت تحتها منذ الأزل لم ينصت لها القصاصون بعد، لتمتد عروق الذهب وتربطها كالأوتاد بأرض الخصب والخضاب، وتنتظر من يأوي إلى ذات الظلال فتنفحه حفيفا من أخبار الظاعنين عبر القرون، وعلى ظهر كل (خشبة) تتربع على إحدى السواحل العمانية شموخ نواخذة صارعوا الأمواج، حتى اليوم لم تحدد عدد مرات إلقاء مراسيهم على سواحل أفريقيا أو الصين أو الهند أو السند بعد، فهل من مشمر ينظم هذه اللآلىء والدرر والأحجار الكريمة في عقود يتزين بها أجيال عمان القادمة؟ وهل من مسخر عاشق يبحث وينقب ثم يصب مصهور تبر الصور والأخبار في قوالب الزمان، وينقش على سطحها: (هذه عمان درة الزمان، وهذا إنسانها العاشق لثراها المضمخ بأسرارها المعطرة بالغموض والعزة)؟ كلما رأيت معرضا للفنون أو للتصوير بشتى أطيافه، أو ندوة عن موقع أثري أو شخصية عمانية، أحس بأننا بخير وفي خير ولله الحمد والمنة، وأن أجيال عمان كما قال سماحة العلامة الشيخ مفتي عام السلطنة -أطال الله في عمره وحفظه لعمان وللامة الإسلامية-: عمان نسيج واحد عبر الزمان.

أخيرا، أيها القارئ الكريم، أعتذر لك على القصور الذي قد تجده في سردي لقصة الجمال في حياة والدي -رزقني الله حسن بره- لكنني اجتهدت ﻷبرز جانبا إنسانيا لا يعرفه الكثير، أبحرت في دردشاتنا الجميلة معا، التي تدور حول جمال عمان القائد والأرض والشعب والتأريخ، فأردت أن أظهر العين التي ينظر بها إلى الوجود، وأنه كأي إنسان آخر في هذا المد البشري يتعرض للصعوبات الجمة، وللمرض، وللإخفاقات الكثيرة، لكنه علمنا وعلم كل من حوله، أن كل ذلك من فضائل الله علينا، وكل شيء يأتي من لدنه تعالى ما هو إلا جمال من رب جميل، خلقنا ﻷنه يحبنا، لذا وجب علينا أن نحب كل شيء حولنا، وأن نحافظ على كل مقدراتنا، لنترجم حمدنا للواهب القدير على آلائه، فتمام الصالحات يكون بالحمد والشكر، والحمد والشكر يتم بالحفاظ على تلك النعم ليتمكن من يأتي بعدنا من الاستمتاع بها كذلك، وتصله الرسالة ذاتها ليحافظ، ثم يأتي من بعدهم من يكمل تلك السلسلة، لتستمر سلسلة الجمال باقية بقاء الإنسانية، فكل شيء حصاد لغراس أيدينا، لذا فقد زرع من قبلنا فأكلنا، وعلينا أن نزرع ليأكل من يأتي بعدنا، وهذا ما أجده في والدي، يسابق المواسم ليحظى باروع اللقطات، و ربما ظل ينتظر ردحا من الزمن ليسجل لقطة معينة لا يمكن الحصول عليها إلا في ظروف زمنية وجوية محددة، تمسك بهوايته منذ طفولته، وجعل من التوثيق للجمال العماني شغله الشاغل، رغبة منه في أن يزفه إلى العالم بأسره.

 

__________________________

 

توقيع:

"إنِّي لأرفضُ أن أكونَ مهرجاً قزماً، على كلماته يحتالُ.

فإذا وقفت أمام حسنك صامتاً، فالصمتُ في حَرَم الجمال جمالُ.

كَلِماتُنا في الحُبِّ تقتلُ حُبَّنَا، إن الحروف تموت حين تقال."

قصيدة "إلى تلميذة"، نزار قباني.