السبت, 22 سبتمبر 2018

أوراق عمل تتناول التنويع الاقتصادي ومسار المالية العامة والسياسات النقدية في السلطنة

جلسة حوارية في "الشورى" تتلمس تحديات الاقتصاد الوطني وتستعرض خطط "التنويع"

الثلاثاء 10 أبريل 2018 07:52 م بتوقيت مسقط

جلسة حوارية في "الشورى" تتلمس تحديات الاقتصاد الوطني وتستعرض خطط "التنويع"

مسقط - الرؤية

نظم مجلس الشورى جلسة حوارية بعنوان "تحديات الاقتصاد الوطني في إطار الخطة الخمسية التاسعة"، في قاعة النور بمبنى مجلس عُمان بمنطقة البستان، بحضور عدد من أصحاب السعادة أعضاء المجلس، وعدد من المهتمين بالشأن الاقتصادي في السلطنة.

وألقى سعادة الدكتور صالح بن سعيد مسن رئيس اللجنة الاقتصادية والمالية بالمجلس، كلمة افتتاحية؛ أشار فيها إلى أن الجلسة تأتي من منطلق إشراك المجتمع والاستماع لوجهة نظره، وذلك من خلال فتح قناة تواصل بين المسؤولين وصناع القرار من جانب، ومع المجتمع والمهتمين بالشأن الاقتصادي في الجانب الآخر للتعرف على عملية صنع القرار الاقتصادي وما يحيط بهذه العملية من تحديات. وأضاف سعادته: إنَّ الجلسة تتناول تحديات الاقتصاد الوطني في إطار الخطة الخمسية التاسعة 2016-2020م؛ بهدف الوقوف على ما تم تنفيذه في الخطة، ومعرفة انحراف الأداء الفعلي عمَّا هو مخطط له من أهداف في الإطار الاقتصادي الكلى والقطاعات الاقتصادية المختلفة، وتوضيح الأسباب والمعوقات، ومن ثم إبراز أهم الفرص والتحديات؛ للوصول إلى رؤية مشتركة حول عملية التقويم الاقتصادي واستشراف المستقبل.

وأوضح سعادته في كلمته أن الاقتصاد العُماني بدأ يتعافى إلى حد ما من تداعيات الأزمة الاقتصادية الناجمة عن انخفاض أسعار النفط عالميا، إلا أنه تعافٍ مشوب بالخطر؛ لأن هذا التعافي يعتمد بشكل كبير على تطورات أسعار النفط والتي تتأثر بعوامل اقتصادية تتمثل في العرض والطلب العالمي وتعافي الاقتصاد العالمي ومخزونات النفط وحجم التطور في قطاع الطاقة البديلة والتقدم التكنولوجي، إضافة للعوامل الجيوسياسية، وهي جميعها عوامل خارجية تؤثر علينا ولا نستطيع أن نؤثر فيها. وما زال الاقتصاد الوطني يواجه تحديات أخرى البعض منها تحديات طويلة المدى وهي تحديات مزمنة مثل التنويع الاقتصادي، والبعض الآخر تحديات مالية مرتهنة لتقلبات أسعار النفط، والبعض الآخر تشوهات هيكلية في سوق العمل وما يفرزه من مشكلات تتمثل في زيادة عدد الباحثين عن العمل، والتي تأتي على رأس أولويات السياسة الاقتصادية في المرحلة الحالية.

وتم استعراض ورقة العمل الأولى بعنوان "التنويع الاقتصادي: الخيار الإستراتيجي للسلطنة"، وقدمها سعادة طلال بن سليمان الرحبي نائب الأمين العام للمجلس الأعلى للتخطيط، وانتصار بنت عبدالله الوهيبية مدير عام التخطيط التنموي بالمجلس الأعلى للتخطيط. وأشارت إلى أن الأزمة الخارجية -الناجمة عن انهيار سعر النفط بحوالي 70% من منتصف 2014 وحتى 2017- شكلت تحدياً كبيراً لأداء الاقتصاد في السلطنة، مثلها مثل بقية دول مجلس التعاون، حيث كانت الأزمة بمثابة حلقة في سلسلة من الصدمات الخارجية التي تكررت منذ ثمانينات القرن الماضي، وأدت لتراجع معدلات النمو، وتقليص قدرة الدولة على الحفاظ على الإنفاق العام، وصاحب ذلك تفاقم عجز الموازنة العامة والميزان التجاري والدين العام.

وأوضحت الوهيبية أن السمة الأساسية للاقتصاد العماني هي الاستجابة للتقلبات في أسعار النفط العالمية وأنه رغم التعافي للاقتصاد الذي بدأ في منتصف 2017م، إلا أن التوقعات تشير إلى صعوبة الوصول إلى مستوى الأسعار التي كانت سائدة قبل 2014، حيث تتراوح حول مستوى 60$ للبرميل حتى 2020.

وأكدت الوهيبية من خلال العرض المرئي أن بوادر تعافي الاقتصاد العماني بدأت بحلول 2018م، ويتوقع استمرار معدل نمو يفوق 3% حتى 2020م، وانعكست استجابة السلطنة لتحديات الاقتصاد الوطني في أن يكون التوجه الرئيسي لخطة التنمية الخمسية التاسعة (2016-2020م) هو: التنويع الاقتصادي كخيار استراتيجي، وقد تم اختيار خمسة قطاعات واعدة لكي تُسهم في مصادر النمو، دون الاعتماد على مصدر واحد وهو النفط وهي الصناعات التحويلية، والنقل والخدمات اللوجستية، إلى جانب السياحة والثروة السمكية والتعدين. وأضافت أن مفهوم التنويع اتسع ليشمل إطلاق أربعة تحولات داعمة لعملية التنويع وهي التحول على المستوى الكلي والحفاظ على السلامة المالية، وإعطاء الأولوية للقطاعات الواعدة وتعزيز القطاع الخاص، بالإضافة إلى التحولات في سوق العمل ليصبح التشغيل في القطاع الخاص هو الخيار الأول للمواطن، والتحول نحو استراتيجية وطنية للطاقة.

وأفادت الوهيبية بأن من أهم مرتكزات خطة التنمية الخمسية التاسعة تنمية القطاع الخاص ليكون القطاع الرائد في عملية النمو. وتهدف الخطة إلى أن تصل مساهمة القطاع الخاص إلى 52% من إجمالي الاستثمارات وهو ما قد تحقق بالفعل منذ العام 2014م، كما ذكرت أن هناك إجماعا على أن التنفيذ هو المعيار الرئيسي لنجاح إستراتيجية التنويع الاقتصادي للانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، فقد تم إطلاق "البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي (تنفيذ)" بالاستفادة من التجربة الماليزية. وبغض النظر عن ارتفاع أسعار النفط أو انخفاضها، فإن هدف التنويع ضرورة مستقبلية؛ وذلك نظرا للتغيرات السكانية وارتفاع سقف التطلعات من جانب المواطنين وخاصة الشباب، وتحقيق التنمية المستدامة لمواجهة هذه التطورات يجعل من هدف التنويع ضرورة مؤكدة.

وقدم سعادة محمد جواد بن حسن مستشار وزارة المالية، ورقة عمل بعنوان "مسار المالية العامة في ظل انخفاض أسعار النفط"؛ أشار خلالها إلى ارتباط بين اتجاه سعر النفط والإيرادات والإنفاق الحكومي حتى عام 2011م، وحدث تغير كبير في هذا الارتباط، حيث تراجع اتجاه أسعار النفط والإيرادات بوتيرة متسارعة ابتداءً من منتصف عام 2014م وفي المقابل تراجعت وتيرة الإنفاق على نحو أبطأ، كما ارتفع معدل الإنفاق على نحو كبير جدًّا عن معدل الإيرادات؛ وذلك منذ العام 2011م، كما انخفضت المرونة المالية بوتيرة متسارعة مما زادت من مخاطر الاستدامة المالية.

وأوضح مستشار وزارة المالية أنه في العام 2014م ارتفع الإنفاق رغم تراجع عائدات النفط بشكل كبير؛ حيث تسبب هبوط أسعار النفط واستمرار الإنفاق في معدلاته المرتفعة إلى حدوث عجز مالي في العام 2014م وزيادة حدته في عامي 2015م و2016م. كما ارتفع الإنفاق العام في جميع بنوده خلال السنوات (2011-2014م) بوتيرة متسارعة، حيث قفز من 7.9 مليار ريال عماني في العام 2010م إلى 15.2 مليار ريال عماني في العام 2014م، بزيادة قدرها 7.3 مليار ريال عماني أي ما نسبته 92%، وبالرغم من الإصلاحات المالية منذ عام 2015م، إلا أن العجز قد ارتفع نظرًا للهبوط الحاد لإيرادات النفط.

وأشار سعادة محمد جواد إلى ارتفاع معدل سعر التعادل المطلوب لتوازن الإنفاق العام والإيرادات بشكل حاد على مر السنوات الماضية، ليبلغ 114 دولارا أمريكيا للبرميل في العام 2014م، بفجوة قدرت بنحو 11 دولارا عن السعر الفعلي، كما ارتفعت الفجوة بين السعر الفعلي والسعر المطلوب للتعادل إلى 33 دولارا في العام  2015م، و56 دولارا في العام 2016م، مشيرًا إلى أنه يتوقع أن تنخفض الفجوة في نهاية العام الحالي لتصل إلى 33 دولارا للبرميل. وتحدث سعادته عن التحديات التي تواجه الوضع المالي بالسلطنة؛ أبرزها: الاعتماد الرئيسي على عائدات النفط، علاوة على عدم استقرار أسعار النفط، وضعف قاعدة الإيرادات غير النفطية، ووصول الإنفاق العام إلى مستوى غير قابل للاستدامة، وارتفاع المصرفات الجارية وبالأخص الرواتب والأجور وارتفاع تكلفة إنتاج النفط والغاز، إضافة لارتفاع العجز المالي إلى مستويات عالية مما يشكل مخاطر على الاستقرار المالي. وارتفاع سعر التعادل للنفط ليصل إلى 96 دولارا أمريكيا في العام 2016م، ومن ثم انخفض ليصل إلى 79 دولارا أمريكيا في العام 2018م، إلى جانب ارتفاع حجم الدين العام خلال عام 2017م (42% من الناتج المحلي). وتراجع التصنيف الائتماني للسلطنة.

وجاءت الورقة الثالثة بعنوان "السياسة النقدية في السلطنة.. التحديات وركائز الاستقرار"، قدمها محمد بن راشد الجهوري مدير الاستقرار المالي بالبنك المركزي العماني. والذي أشار خلالها إلى أن الأنشطة النفطية حققت نموا ملحوظاً نتيجةً لاستمرار تعافي أسعار النفط العالمية، وأسهمت بما يقارب 64% من النمو في الناتج المحلي حتى سبتمبر 2017م، كما بلغ حجم الصادرات السلعية بنهاية سبتمبر 2017م مبلغ قدره 9.143 مليون ر.ع بنمو 18%، مقارنة بنفس الفترة في 2016م. في حين ارتفعت الواردات بنسبة 13% لتصل إلى 6.846 مليون ر.ع، فيما بلغ الفائض في الميزان التجاري في العام 2016م حوالي 1.5 مليار ر.ع، وبلغ الفائض التجاري ما يقارب 1.4 مليار ر.ع بنهاية سبتمبر 2017، مشكلا نسبة تناهز 7% من إجمالي الناتج المحلي.

وأضاف الجهوري بأن الأرقام الأولية تشير إلى أن الحساب الجاري قد سجل عجزا أوليا قدره 4.6 مليار ر.ع. في 2016م، مع توقعات بانخفاض العجز بنهاية 2017 جراء تحسن قيمة الصادرات النفطية وارتفاع الصادرات الأخرى وتراجع في التحويلات الجارية. وأشار إلى توقعات بانخفاض حجم تحويلات القوى العاملة للخارج تزامناً مع تباطؤ النشاط الاقتصادي، كما ذكر الجهوري أن إجمالي الاستثمار الأجنبي في السلطنة ناهز 15 مليار ر.ع في العام 2015م، وشكل الاستثمار الأجنبي المباشر حوالي النصف. ويتوقع زيادة هذه الاستثمارات. ولا تزال الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي العماني محافظة على مستوياتها الداعمة لاستمرار الحفاظ على مستوى سعر الصرف الثابت الحالي بالرغم من حدوث تغيرات في أحجامها جراء الطلب الكبير على الدولار الأمريكي. مشيرًا إلى أن إجمالي أصول البنوك (التجارية والإسلامية) بلغ حوالي 32 مليار ر.ع بنهاية شهر ديسمبر2017م بارتفاع 5%، مقارنة بنهاية شهر ديسمبر 2016م. وأوضح أن البنوك التجارية استطاعت زيادة رأس المال المدفوع والاحتياطيات، وذلك مع تبني البنك المركزي العُماني لسياسات احترازية كلية من شأنها رفع جاهزية البنوك للتصدي للتحديات والمخاطر الاقتصادية.

وتناولت الورقة -التي قدمها الجهوري- نمو قطاع الصيرفة الإسلامية؛ حيث إنه وبنهاية العام 2017م استحوذت المصارف الإسلامية على حصة قدرها 12% من إجمالي أصول القطاع المصرفي في السلطنة، خلال خمسة أعوام. كما أكد على ارتفاع معدل نسب الفائدة على الودائع والقروض جراء رفع البنك الفيدرالي لسعر الفائدة، ويشير إلى ارتفاع أسعار الفائدة على الودائع لاستقطاب المدخرات المالية وإدارة السيولة بالإضافة إلى استمرار انخفاض الهامش بين سعري الفائدة على القروض والودائع المقومة بالريال العماني ليصل 3.54% بنهاية ديسمبر 2017، وانخفاض أرباح البنوك التجارية في السلطنة خلال عام 2017م بما نسبته 6.2%. واستحوذت القروض الشخصية على الحصة الأكبر من حجم الإقراض، ويوضح المخطط توزيع الائتمان المصرفي على مختلف القطاعات لغاية ديسمبر 2017م. كما أكد الجهوري على ارتفاع حجم الترابط بين الإقراض المصرفي وحجم الأنشطة غير النفطية اذ تبلغ 98%. حيث أن الإقراض المصرفي يؤثر إيجاباً على حجم الأنشطة غير النفطية، والعكس صحيح.

وتطرق الجهوري إلى مستويات التعمين في القطاع المصرفي، مشيرا إلى أن النسبة تفوق 90%، حيث بلغ عدد المشتغلين بنهاية 2016 عدد 11.373 موظفا وموظفة يشتغلون في هذا القطاع، وقد بلغت نسبة التعمين في الإدارة العليا نسبة 77.2% والتي تعتبر من أعلى النسب في هذا المستوى الوظيفي على مستوى القطاعات الإنتاجية في السلطنة. وأوضح الجهوري أن صندوق النقد الدولي يتوقع أن يظل متوسط سعر النفط دون 60 دولارا للبرميل حتى العام 2022م. كما يتوقع أن يحقق الحساب الجاري عجزا تزيد نسبته على 20% من إجمالي الناتج المحلي في العام 2017. ويتقلص تدريجيا في الأعوام المقبلة.

وفي ختام الجلسة، قدم أصحاب السعادة أعضاء المجلس والحضور استفساراتهم التي تركزت على آلية التنسيق بين السياسات المالية والنقدية ودراسة بعض الجوانب المالية التي تؤثر على الاقتصاد والعوامل التي تؤثر على قرار مالي معين، ومساهمة القطاع الخاص في تنويع الاقتصاد الوطني، والأسس التي يتم انتهاجها في تحديد الرسوم ووضع رسوم جديدة. ودعا مجموعة من أصحاب السعادة أعضاء المجلس إلى أهمية التخطيط الموحد بين جميع المؤسسات والتركيز على القضاء على الفقر والبطالة وزيادة دخل الفرد.